صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ إِذَا خِيفَ مِنْهُمْ الْخِيَانَةُ لَمْ يَنْبِذْ إِلَيْهِمُ الْعَهْدَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْل الْهُدْنَةِ أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ وَجَبَ لَهُمْ، وَلِهَذَا إِذَا طَلَبُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ وَجَبَ الْعَقْدُ لَهُمْ فَلَمْ يُنْقَضْ لِخَوْفِ الْخِيَانَةِ، وَالنَّظَرُ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا لَوْ طَلَبَ الْكُفَّارُ الْهُدْنَةَ كَانَ النَّظَرُ فِيهَا إِلَى الإِْمَامِ، إِنْ رَأَى عَقْدَهَا عَقَدَ، وَإِنْ لَمْ يَرَ عَقْدَهَا لَمْ يَعْقِدْ، فَكَانَ النَّظَرُ إِلَيْهِ فِي نَقْضِهَا عِنْدَ الْخَوْفِ؛ وَلأَِنَّ أَهْل الذِّمَّةِ فِي قَبْضَةِ الإِْمَامِ وَتَحْتَ وِلاَيَتِهِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ أَمْكَنَ اسْتِدْرَاكُهَا بِخِلاَفِ أَهْل الْهُدْنَةِ فَإِنَّهُمْ خَارِجُونَ عَنْ قَبْضَةِ الإِْمَامِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُمْ لَمْ يُمْكِنَ اسْتِدْرَاكُهَا فَجَازَ نَقْضُهَا بِالْخَوْفِ [1] .
سُكْنَى أَهْل الذِّمَّةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِنْ كَانَتْ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَلاَ تَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ [2] .
لَمَا جاء عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَجَعُهُ، فَقَالَ: «ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا» ،فَتَنَازَعُوا وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ؟ فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ» وَأَوْصَاهُمْ بِثَلاَثٍ، قَالَ: «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ» وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ فَنَسِيتُهَا" [3] ،وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ:"قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ"،فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ إِلَى الْبَحْرَانِيَّةِ، وَاشْتَرَى عُقُرَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَأَجْلَى أَهْلَ فَدَكٍ وَتَيْمَاءَ وَأَهْلَ خَيْبَرَ، وَاسْتَعْمَلَ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ، فَأَعْطَى"
(1) - المهذب 2/ 263 ط الحلبي، وأسنى المطالب 4/ 226،والمغني لابن قدامة 8/ 463 ط الرياض والموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (20/ 190)
(2) - حاشية ابن عابدين 4/ 29، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/ 201، الأم 4/ 100، (طبع كتاب الشعب) ،والمغني لابن قدامة 8/ 527.
(3) - صحيح البخاري (6/ 9) (4431) وصحيح مسلم (3/ 1257) 20 - (1637)