ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ كَافِرًا، وَالْكُفَّارُ مُسْلِمًا [1] ،وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي: (إِرْثٍ) .
تَدُل عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ الاِتِّجَارِ مَعَ الْحَرْبِيِّينَ، [2] فَلِلْمُسْلِمِ أَوِ الذِّمِّيِّ دُخُول دَارِ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ لِلتِّجَارَةِ، وَلِلْحَرْبِيِّ دُخُول دَارِنَا تَاجِرًا بِأَمَانٍ، وَتُؤْخَذُ الْعُشُورُ عَلَى التِّجَارَةِ الْعَابِرَةِ عِنْدَ اجْتِيَازِ حُدُودِ دَارِ الإِسْلاَمِ. وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ إِمْدَادُ الْمُحَارِبِينَ بِمَا يُقَوِّيهِمْ مِنَ السِّلاَحِ وَالآْلاَتِ وَالْمَوَادِّ الَّتِي يُصْنَعُ مِنْهَا السِّلاَحُ، كَمَا لاَ يَجُوزُ السَّمَاحُ بِالاِتِّجَارِ بِالْمَحْظُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْخُمُورِ وَالْخَنَازِيرِ وَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ؛ لِأَنَّهَا مَفَاسِدُ مَمْنُوعَةٌ شَرْعًا، وَيَجِبُ مُقَاوَمَتُهَا. وَلَيْسَ لِلْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ شِرَاءُ الأَسْلِحَةِ مِنْ بِلاَدِ الإِسْلاَمِ. [3]
وَفِيمَا عَدَا هَذِهِ الْقُيُودِ يَجُوزُ أَنْ تَظَل حُرِّيَّةُ التِّجَارَةِ قَائِمَةً، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ انْفَرَدُوا بِالْقَوْل بِمَنْعِ التَّصْدِيرِ مِنْ بِلاَدِنَا، وَمُتَاجَرَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِذَا كَانَتْ أَحْكَامُهُمْ تَجْرِي عَلَى التُّجَّارِ؛ لِأَنَّ فِي تَصْدِيرِ أَيِّ شَيْءٍ إِلَيْهِمْ تَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنَ الإِقَامَةِ فِي دَارِ الشِّرْكِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ، فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلَ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» .قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا. [4]
كَمَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَصْدِيرُ الأَطْعِمَةِ وَنَحْوِهَا إِلاَّ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ هُدْنَةٌ مَعَ الْعَدُوِّ، أَمَّا فِي غَيْرِ الْهُدْنَةِ فَلاَ يَجُوزُ. [5]
(1) - شرح السراجية ص 21،والقوانين الفقهية / 394،ومغني المحتاج 3/ 24 وما بعدها، والمغني 6/ 294.
(2) - انظر مثلا المبسوط 10/ 91،شرح السير الكبير 3/ 273 - 276،والشرح الصغير 2/ 289،ومغني المحتاج 4/ 237،والمغني 8/ 489،522.
(3) - الخراج لأبي يوسف ص 199،شرح السير الكبير 3/ 177،وحاشية الطحطاوي 2/ 445،وفتح القدير 4/ 347 وما بعدها، والفتاوى الهندية 2/ 215،ومغني المحتاج 4/ 247،والشرح الكبير مع المغني 10/ 408.
(4) - سنن أبي داود (3/ 45) (2645) صحيح
(5) - المدونة 10/ 102،والمقدمات الممهدات 2/ 285،وفتح العلي المالك 1/ 331،ومواهب الجليل 3/ 364،و 379.