وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: تُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ بِكُل حَالٍ لِعُمُومِ النَّصِّ؛ وَلأَِنَّهُ كِتَابِيٌّ يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ، فَتَحِل ذَبِيحَتُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ ابْنَ كِتَابِيَّيْنِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ ابْنَ وَثَنِيَّيْنِ أَوْ مَجُوسِيَّيْنِ (وَهُوَ مِنْ أَهْل الْكِتَابِ) فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ تَحْرِيمُهُ، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ حِلُّهُ؛ لأَِنَّ الاِعْتِبَارَ بِدِينِ الذَّابِحِ لاَ بِدِينِ أَبِيهِ، بِدَلِيل أَنَّ الاِعْتِبَارَ فِي قَبُول الْجِزْيَةِ بِذَلِكَ، وَلِعُمُومِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ [1]
وَأَمَّا ذَبْحُ الْكِتَابِيِّ لِمَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ فِي إِبَاحَةِ ذَلِكَ أَوْ مَنْعِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَجَعَل ابْنُ عَرَفَةَ الْكَرَاهَةَ قَوْلًا ثَالِثًا، وَالرَّاجِحُ مِنْ تِلْكَ الأَْقْوَال الْقَوْل بِالْكَرَاهَةِ [2] .
أَمَّا غَيْرُ الْمَالِكِيَّةِ فَلَمْ نَعْثُرْ لَهُمْ عَلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَطْلَقُوا الْقَوْل فِي حِل ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ كَمَا سَبَقَ. وَلَمْ يُفَصِّلُوا كَمَا فَصَّل الْمَالِكِيَّةُ. وَالظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِهِمُ الْحِل.
َسْتَوِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ مَعَ سَائِرِ النَّصَارَى فِي حِل ذَبَائِحِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ عَلَى دِينِ النَّصَارَى، إِلاَّ أَنَّهُمْ نَصَارَى الْعَرَبِ فَيَتَنَاوَلُهُمْ عُمُومُ الآْيَةِ الشَّرِيفَةِ.
وَحَكَى صَاحِبُ"الْبَدَائِعِ"أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَال: لاَ تُؤْكَل ذَبَائِحُ نَصَارَى الْعَرَبِ لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْل الْكِتَابِ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَل {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة:78] ،وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَال: تُؤْكَل، وَقَرَأَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51] . [3]
حُكْمُ مَنِ انْتَقَل إِلَى دِينِ أَهْل الْكِتَابِ أَوْ غَيْرِهِمْ:
إِذَا انْتَقَل الْكِتَابِيُّ إِلَى دَيْنٍ غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ مِنَ الْكَفَرَةِ لاَ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَصِرْ كِتَابِيًّا، وَهَذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ. وَإِذَا انْتَقَل الْكِتَابِيُّ مِنْ دِينِهِ إِلَى دَيْنِ أَهْل كِتَابٍ آخَرِينَ كَيَهُودِيٍّ
(1) - المغني 8/ 567،568.
(2) - حاشية الدسوقي 2/ 102.
(3) - البدائع 5/ 45،والقوانين الفقهية 120،ومغني المحتاج 4/ 244،والمقنع 3/ 535.