بِرِضَا رَبِّ الْمَال، بَل الْجِزْيَةُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، لِأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِلسُّقُوطِ قَبْل الْحَوْل وَبَعْدَهُ، فَتَسْقُطُ بِالإِسْلاَمِ وَالْمَوْتِ أَثْنَاءَ السَّنَةِ وَتَتَدَاخَل بِالاِجْتِمَاعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ [1] .
إِذَا تَأَخَّرَ الذِّمِّيُّ عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُحَدَّدِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا.
فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَمَطَل بِهَا جَازَ لِلإِمَامِ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ.
قَال الْقُرْطُبِيُّ: أَمَّا عُقُوبَتُهُمْ إِذَا امْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ فَجَائِزٌ، فَأَمَّا مَعَ تَبَيُّنِ عَجْزِهِمْ فَلاَ تَحِل عُقُوبَتُهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْجِزْيَةِ سَقَطَتْ عَنْهُ [2] .
مَنْ لَهُ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ:
الْجِزْيَةُ مِنَ الأَمْوَال الْعَامَّةِ الَّتِي يَتَوَلَّى أَمْرَهَا الأَئِمَّةُ وَالسَّلاَطِينُ، فَالشَّرْعُ هُوَ الَّذِي قَدَّرَ الْجِزْيَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيل: يُقَدِّرُهَا الإِمَامُ.
وَالإِمَامُ يَعْقِدُ الذِّمَّةَ وَيُطَالِبُ بِالْجِزْيَةِ وَيَصْرِفُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ بِاجْتِهَادِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الإِمَامَ الْعَدْل وَكِيلٌ عَنِ الأُمَّةِ فِي اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهَا مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَفِي تَدْبِيرِ شُئُونِهَا. قَال الْقُرْطُبِيُّ:"الأَمْوَال الَّتِي لِلأَئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ فِيهَا مَدْخَلٌ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ: الأَوَّل: مَا أُخِذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَرِيقِ التَّطْهِيرِ لَهُمْ كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ. وَالثَّانِي: الْغَنَائِمُ وَمَا يَحْصُل فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَال الْكَافِرِينَ بِالْحَرْبِ وَالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ. وَالثَّالِثُ: الْفَيْءُ، وَهُوَ مَا رَجَعَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَال الْكُفَّارِ عَفْوًا صَفْوًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ وَلاَ إِيجَافٍ كَالصُّلْحِ وَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَالْعُشُورِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ [3] ."
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَحَقُّ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ لِلإِمَامِ، فَيُطَالِبُ بِهَا وَيَجِبُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ.
(1) - الاختيار 4/ 139،مواهب الجليل 3/ 382،روضة الطالبين 10/ 313،المبدع 3/ 412،الإنصاف 4/ 229،أحكام أهل الذمة لابن القيم 1/ 99.
(2) - الجامع لأحكام القرآن 8/ 115،المذهب الأحمد ص 211،الاختيارات الفقهية لابن تيمية جمع البعلي ص 319،الإنصاف 4/ 252.
(3) - الجامع لأحكام القرآن 18/ 14.