فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 309

الْمُسْلِمِينَ صِرْنَا إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ، وَإِلاَّ فَإِنَّا عَلَى أَمْرِنَا مَا بَقِيَ لِلْمُسْلِمِينَ عَدَدٌ، فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْكَفَرَةَ وَأَظْهَرَ الْمُسْلِمِينَ فَتَحُوا مُدُنَهُمْ وَأَخْرَجُوا الْمُقَلِّسِينَ، فَلَعِبُوا وَأَدَّوُا الْخَرَاجَ [1] ..

فَقَدْ أَقَرَّ أَهْل حِمْصَ بِأَنَّ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ خِلاَفِهِمْ لَهُمْ فِي الدِّينِ، أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ حُكْمِ أَبْنَاءِ دِينِهِمْ، وَذَلِكَ لِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ ذَلِكَ الْحُكْمُ مِنْ ظُلْمٍ وَجَوْرٍ وَاضْطِهَادٍ وَعَدَمِ احْتِرَامٍ لِلنَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ

فَإِذَا قَارَنَّا بَيْنَ الْجِزْيَةِ بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ صَغَارٍ، وَبَيْنَ تِلْكَ الأَعْمَال الْوَحْشِيَّةِ الَّتِي يُمَارِسُهَا أَهْل الْعَقَائِدِ مَعَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ فِي الْمُعْتَقَدِ، تَكُونُ الْجِزْيَةُ نِعْمَةً مُسْدَاةً إِلَى أَهْل الذِّمَّةِ، وَرَحْمَةً مُهْدَاةً إِلَيْهِمْ، وَهِيَ تَسْتَلْزِمُ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالاِعْتِرَافَ بِالْجَمِيل لِلْمُسْلِمِينَ.

الإِسْلاَمِيَّةُ فِي الإِنْفَاقِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْحَاجَاتِ الأَسَاسِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ.

تُعْتَبَرُ الْجِزْيَةُ مَوْرِدًا مَالِيًّا مِنْ مَوَارِدِ الدَّوْلَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ، تُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْحَاجَاتِ الأَسَاسِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ: كَالدِّفَاعِ عَنِ الْبِلاَدِ، وَتَوْفِيرِ الأَمْنِ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَتَحْقِيقِ التَّكَافُل الاِجْتِمَاعِيِّ، وَالْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ: كَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْجُسُورِ وَالطُّرُقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي بَيَانِ الْحِكْمَةِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ:"إذَا بَذَلَ الْجِزْيَةَ فَحَقَنَ دَمَهُ بِمَالٍ يَسِيرٍ مَعَ إقْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ بِاَللَّهِ؛ هَلْ هَذَا إلَّا كَالرِّضَا بِهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَا نَقُولُ: فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ مِنْ الْحِكْمَةِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي أَخْذِهَا مَعُونَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَتَقْوِيَةً لَهُمْ، وَرِزْقٌ حَلَالٌ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ الْكَافِرُ لَيَئِسَ مِنْ الْفَلَاحِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْهَلَكَةُ؛ فَإِذَا أَعْطَى الْجِزْيَةَ وَأُمْهِلَ لَعَلَّهُ أَنْ يَتَدَبَّرَ الْحَقَّ، وَيَرْجِعَ إلَى الصَّوَابِ، لَا سِيَّمَا بِمُرَاقَبَةِ أَهْلِ الدِّينِ، وَالتَّدَرُّبِ بِسَمَاعِ مَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ عَظِيمَ كُفْرِهِمْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ إدْرَارِ رِزْقِهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ" [2] .

(1) - انظر فتوح البلدان (ص:139)

(2) - أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (2/ 482)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت