وَجَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ:"وَلَيْسَتْ هِيَ مَأْخُوذَةٌ فِي مُقَابَلَةِ الْكُفْرِ وَلَا التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ، بَلْ هِيَ نَوْعُ إذْلَالٍ لَهُمْ وَمَعُونَةٌ لَنَا، وَرُبَّمَا يَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ مَعَ مُخَالَطَةِ الْمُسْلِمِينَ الدَّاعِيَةِ إلَى مَعْرِفَةِ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" [1] .
وقال البجيرمي:"إنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَيَّا قِتَالَهُمْ بِإِعْطَائِهَا فِي قَوْلِهِ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة:29] وَلَيْسَتْ فِي مُقَابَلَةِ تَقْرِيرِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ جَزْمًا بَلْ فِيهَا نَوْعُ إذْلَالٍ لَهُمْ" [2]
وَجِبَايَةُ الْمَال لَيْسَتْ هِيَ الْهَدَفُ الأَسَاسِيُّ مِنْ تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ، وَإِنَّمَا الْهَدَفُ الأَسَاسِيُّ هُوَ تَحْقِيقُ خُضُوعِ أَهْل الذِّمَّةِ إِلَى حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَيْشُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ لِيَطَّلِعُوا عَلَى مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ وَعَدْل الْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونَ هَذِهِ الْمَحَاسِنُ بِمَثَابَةِ الأَدِلَّةِ الْمُقْنِعَةِ لَهُمْ عَلَى الإِقْلاَعِ عَنِ الْكُفْرِ وَالدُّخُول فِي الإِسْلاَمِ، وَالَّذِي يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ فِي الإِسْلاَمِ، وَأَنَّ الْحُكُومَةَ الإِسْلاَمِيَّةَ لاَ تُقْدِمُ عَلَى فَرْضِ الْجِزْيَةِ عَلَى الأَفْرَادِ إِلاَّ بَعْدَ تَخْيِيرِهِمْ بَيْنَ الإِسْلاَمِ وَالْجِزْيَةِ، وَهِيَ تُفَضِّل دُخُول أَهْل الْبِلاَدِ الْمَفْتُوحَةِ فِي الإِسْلاَمِ وَإِعْفَاءَهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ عَلَى الْبَقَاءِ فِي الْكُفْرِ وَدَفْعِ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهَا دَوْلَةُ هِدَايَةٍ لاَ جِبَايَةٍ.
جَاءَ فِي تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ قَال:"كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ .. فَاعْرِضْ عَلَى صَاحِبِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ أَنْ يُعْطِيَكَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَنْ تُخَيِّرُوا مَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ سَبْيِهِمْ بَيْنَ الإِسْلاَمِ وَبَيْنَ دِينِ قَوْمِهِ، فَمَنِ اخْتَارَ مِنْهُمُ الإِسْلاَمَ فَهُوَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنِ اخْتَارَ دِينَ قَوْمِهِ وُضِعَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِزْيَةِ مَا يُوضَعُ عَلَى أَهْل دِينِهِ"ثُمَّ قَال:"فَجَمَعْنَا مَا فِي أَيْدِينَا مِنَ السَّبَايَا وَاجْتَمَعَتِ النَّصَارَى، فَجَعَلْنَا نَأْتِي بِالرَّجُل مِمَّنْ فِي أَيْدِينَا، ثُمَّ نُخَيِّرُهُ بَيْنَ الإِسْلاَمِ وَبَيْنَ النَّصْرَانِيَّةِ، فَإِذَا اخْتَارَ الإِسْلاَمَ كَبَّرْنَا تَكْبِيرَةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ تَكْبِيرِنَا حِينَ نَفْتَحُ الْقَرْيَةَ، ثُمَّ نَحُوزُهُ إِلَيْنَا. وَإِذَا اخْتَارَ النَّصْرَانِيَّةَ نَخَرَتِ النَّصَارَى -"
(1) - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (6/ 60)
(2) - حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب (4/ 274)