وَالإِمَامُ الْمُطَالِبُ بِالْجِزْيَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَادِلًا، أَوْ جَائِرًا ظَالِمًا، أَوْ بَاغِيًا، أَوْ خَارِجًا عَلَى إِمَامِ الْعَدْل، أَوْ مُحَارِبًا وَقَاطِعًا لِلطَّرِيقِ.
الإِمَامُ الْعَادِل: هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُسْلِمُونَ لِلإِمَامَةِ وَبَايَعُوهُ، وَقَامَ بِتَدْبِيرِ شُئُونِ الأُمَّةِ وَفْقَ شَرْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل. فَإِذَا طَلَبَ مِنْ ذَوِي الأَمْوَال مَالًا لاَ يَطْلُبُهُ إِلاَّ بِحَقٍّ، وَإِذَا قَسَمَ أَمْوَالًا عَامَّةً قَسَمَهَا وَفْقَ شَرْعِ اللَّهِ وَحَسَبَ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"وَاللهِ، مَا أُعْطِيكُمْ، وَلَا أَمْنَعُكُمْ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُهُ حَيْثُ أُمِرْتُ" [1]
وَقَال أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذَا الْمَال بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَال: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النِّسَاء:6] وَاللَّهِ مَا أَرَى أَرْضًا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَاةٌ فِي كُل يَوْمٍ إِلاَّ اسْتَسْرَعَ خَرَابُهَا."
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ إِذَا طَلَبَ الإِمَامُ الْعَادِل الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَفْرِقَةُ خَرَاجِ رَأْسِهِ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا أَدَّى شَخْصٌ الْجِزْيَةَ إِلَى مُسْتَحِقِّ الْفَيْءِ بِنَفْسِهِ فَلِلإِمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُ ثَانِيَةً؛ لِأَنَّ حَقَّ الأَخْذِ لَهُ. [2]
حُكْمُ دَفْعِ الْجِزْيَةِ إِلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ:
الإِمَامُ الْجَائِرُ: هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَدْبِيرِ شُئُونِ الأُمَّةِ وَفْقَ هَوَاهُ، فَيَقَعُ مِنْهُ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ عَلَى النَّاسِ
وَإِذَا طَلَبَ الإِمَامُ الْجَائِرُ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَدَاؤُهَا إِلَيْهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَإِذَا أَدَّى الذِّمِّيُّ الْجِزْيَةَ إِلَى الإِمَامِ الْجَائِرِ سَقَطَتْ عَنْهُ وَلاَ يُطَالَبُ بِهَا مَرَّةً ثَانِيَةً مِنْ قِبَل الإِمَامِ الْعَادِل.
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا سَلاَطِينُ زَمَانِنَا الَّذِينَ أَخَذُوا الصَّدَقَاتِ وَالْعُشُورَ وَالْخَرَاجَ لاَ يَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا، فَهَل تَسْقُطُ هَذِهِ الْحُقُوقُ عَنْ أَرْبَابِهَا؟
(1) - مسند أحمد ط الرسالة (16/ 180) (10257) صحيح
(2) - الخراج لأبي يوسف (ص:46) صحيح مرسل، والاختيار 4/ 145،الجامع لأحكام القرآن 18/ 14،الأحكام السلطانية للماوردي ص 16،الأحكام السلطانية للفراء ص 28.