وَتَظْهَرُ هَذِهِ الْحِكْمَةُ فِي تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ مِنْ جَانِبَيْنِ:
الأَوَّل: الصَّغَارُ الَّذِي يَلْحَقُ أَهْل الذِّمَّةِ عِنْدَ دَفْعِ الْجِزْيَةِ.
وَقَال إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ:"فَكَمَا يَقْتَرِنُ بِالزَّكَاةِ الْمَدْحُ وَالإِعْظَامُ وَالدُّعَاءُ لَهُ، فَيَقْتَرِنُ بِالْجِزْيَةِ الذُّل وَالذَّمُّ، وَمَتَى أُخِذَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى أَنْ لاَ يَثْبُتُوا عَلَى الْكُفْرِ لِمَا يَتَدَاخَلُهُمْ مِنَ الأَنَفَةِ وَالْعَارِ، وَمَا كَانَ أَقْرَب إِلَى الإِقْلاَعِ عَنِ الْكُفْرِ فَهُوَ أَصْلَحُ فِي الْحِكْمَةِ وَأَوْلَى بِوَضْعِ الشَّرْعِ. [1] "
وَالثَّانِي: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى دَفْعِ الْجِزْيَةِ مِنْ إِقَامَةٍ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ وَاطِّلاَعٍ عَلَى مَحَاسِنِهِ.
وَقَال الْحَطَّابُ - فِي بَيَانِ الْحِكْمَةِ:الْحِكْمَةُ فِي وَضْعِ الْجِزْيَةِ أَنَّ الذُّل الَّذِي يَلْحَقُهُمْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الدُّخُول فِي الإِسْلاَمِ مَعَ مَا فِي مُخَالَطَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الاِطِّلاَعِ عَلَى مَحَاسِنِ الإِسْلاَمِ. [2]
الْجِزْيَةُ نِعْمَةٌ عُظْمَى تُسْدَى لِأَهْل الذِّمَّةِ، فَهِيَ تَعْصِمُ أَرْوَاحَهُمْ وَتَمْنَعُ عَنْهُمْ الاِضْطِهَادَ، وَقَدْ أَدْرَكَ هَذِهِ النِّعْمَةَ أَهْل الذِّمَّةِ الأَوَائِل، فَلَمَّا رَدَّ أَبُو عُبَيْدَةَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْل حِمْصَ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ تَوْفِيرَ الْحِمَايَةِ لَهُمْ فعن سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَال:"بَلَغَنِي أَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ هِرَقْل لِلْمُسْلِمِينَ الْجُمُوعَ، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ إِقْبَالُهُمْ إِلَيْهِمْ لِوَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ رَدُّوا عَلَى أَهْل حِمْصَ مَا كَانُوا أَخَذُوا مِنْهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ. وَقَالُوا: قَدْ شُغِلْنَا عَنْ نُصْرَتِكُمْ وَالدَّفْعِ عَنْكُمْ، فَأَنْتُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، فَقَال أَهْل حِمْصَ: لَوَلاَيَتُكُمْ وَعَدْلُكُمْ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْغَشْمِ. وَلَنَدْفَعَنَّ جُنْدَ هِرَقْل عَنِ الْمَدِينَةِ مَعَ عَامِلِكُمْ، وَنَهَضَ الْيَهُودُ فَقَالُوا: وَالتَّوْرَاةِ لاَ يَدْخُل عَامِل هِرَقْل مَدِينَةَ حِمْصَ إِلاَّ أَنْ نُغْلَبَ وَنَجْهَدَ فَأَغْلَقُوا الأَبْوَابَ وَحَرَسُوهَا".وَكَذَلِكَ فَعَل أَهْل الْمُدُنِ الَّتِي صُولِحَتْ مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ. وَقَالُوا: إِنْ ظَهَرَ الرُّومُ وَأَتْبَاعُهُمْ عَلَى
(1) - أحكام القرآن للكيا الهراسي (4/ 190) ،وشرح الموطأ 3/ 138،ونهاية المحتاج 8/ 80،وحاشية البجيرمي 4/ 268،مغني المحتاج 4/ 242،نيل الأوطار 8/ 65.
(2) - الحطاب 3/ 380،وشرح الموطأ 3/ 138.