إِذَا تَرَهَّبَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَانْعَزَل عَنِ النَّاسِ وَانْقَطَعَ لِلْعِبَادَةِ فِي الأَدْيِرَةِ وَالصَّوَامِعِ، فَهَل تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ؟
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ، لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً فَأَشْبَهَ الْعَجْزَ وَالْجُنُونَ، فَتَسْقُطُ عَنْهُ مُطْلَقًا وَلَوْ مُتَجَمِّدَةً عَنْ سِنِينَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالأَخَوَانِ (مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ) مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ الطَّارِئِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً، فَلاَ يُعْتَبَرُ عُذْرًا لِإِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ. وَعَلَّلَهُ الأَخَوَانِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَّخِذُهُ وَسِيلَةً لِلتَّهَرُّبِ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَلاَ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّرَهُّبَ الطَّارِئَ لاَ يُسْقِطُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ. أَمَّا إِذَا تَرَهَّبَ أَثْنَاءَ الْحَوْل فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ؛ لِأَنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل.
وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالرَّاهِبِ الَّذِي تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، هُوَ مَنْ لاَ يَبْقَى بِيَدِهِ مَالٌ إِلاَّ بُلْغَتَهُ فَقَطْ وَيُؤْخَذُ مِمَّا بِيَدِهِ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا الرُّهْبَانُ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ النَّاسَ وَيَتَّخِذُونَ الْمَتَاجِرَ وَالْمَزَارِعَ فَحُكْمُهُمْ كَسَائِرِ النَّصَارَى تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ اتِّفَاقًا. [1]
إِذَا أُصِيبَ الذِّمِّيُّ - بَعْدَ الاِلْتِزَامِ بِالْجِزْيَةِ - بِالْجُنُونِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى سُقُوطِهَا بِالْجُنُونِ الطَّارِئِ إِذَا اسْتَمَرَّ أَكْثَرَ الْعَامِ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً - كَمَا بَيَّنَّا فِي شُرُوطِ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ إِنْ كَانَ يَسِيرًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ مِنْ سَنَةٍ فَلاَ تَسْقُطُ. وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا كَيَوْمٍ إِفَاقَةً وَيَوْمٍ جُنُونًا فَإِنَّ الإِفَاقَةَ تُلَفَّقُ فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً وَجَبَتِ الْجِزْيَةُ.
(1) - تبيين الحقائق 3/ 278،والاختيار 3/ 142،وحاشية الدسوقي 2/ 202،وحاشية الخرشي 3/ 144،ومنح الجليل 1/ 759،والجامع لأحكام القرآن 8/ 112،وروضة الطالبين 10/ 307،ومغني المحتاج 4/ 346،وكشاف القناع 3/ 122.