اهـ. وَفِي الْمَعَالِمِ: أَرَادَ مَنْعَهُمْ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ ; لِأَنَّهُمْ إِنْ دَخَلُوا الْحَرَمَ فَقَدْ قَرُبُوا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ وَجَوَّزَ أَهْلُ الْكُوفَةِ لِلْمُعَاهَدِ دُخُولَ الْحَرَمِ، وَفِي الْمَدَارِكِ: فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَلَا يَحُجُّوا وَلَا يَعْتَمِرُوا كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَهُوَ عَامُ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ حَيْثُ أُمِّرَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمَوْسِمِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُمْنَعُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً، وَعِنْدَ مَالِكٍ يُمْنَعُونَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ [1]
ب - وَمِنْهَا أَنْ يُمْنَعَ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ دُخُول الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا، وَبِذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عُمَّالِهِ مُسْتَدِلًّا بِالآْيَةِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:28]
يا معشر المؤمنين إنما المشركون رِجْس وخَبَث فلا تمكنوهم من الاقتراب من الحرم بعد هذا العام التاسع من الهجرة، وإن خفتم فقرًا لانقطاع غارتهم عنكم، فإن الله سيعوضكم عنها، ويكفيكم من فضله إن شاء، إن الله عليم بحالكم، حكيم في تدبير شؤونكم. [2]
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [النور:36] إِلَخْ، وَدُخُول الْكُفَّارِ فِيهَا يُنَاقِضُ رَفْعَهُمَا.
وَعِنْدَ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الآْيَةَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ، خَاصَّةً بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَلاَ يُمْنَعُونَ مِنْ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي دُخُول الْمُشْرِكِينَ وَأَهْل الْكِتَابِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ بِالْمَنْعِ. وَالثَّانِيَةُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِعَدَمِ الْمَنْعِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنَ الْحَرَمِ بِكُل حَالٍ. فَإِذَا امْتَنَعَ أَهْل الْكِتَابِ مِنْ دَفْعِ الْجِزْيَةِ يُقَاتَلُونَ كَمَا يُقَاتَل الْمُشْرِكُونَ؛ لأَِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْصِمُونَ دِمَاءَهُمْ بِدَفْعِ الْجِزْيَةِ. فَإِذَا مَنَعُوهَا سَاوَوُا الْمُشْرِكِينَ فِي إِهْدَارِ دَمِهِمْ [3] .
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2631)
(2) - التفسير الميسر (1/ 191)
(3) - ابن عابدين 1/ 277،279،283،والقرطبي 8/ 104،والمهذب 2/ 257،والمغني 8/ 531.