وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ حُرْمَةَ الرِّبَا ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مُلْتَزِمٌ بِأَحْكَامِ الإِسْلاَمِ حَيْثُمَا يَكُونُ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرْبِيِّ؛ فَلِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْمُحَرَّمَاتِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء:161] ،وَآيَاتُ تَحْرِيمِ الرِّبَا، مِثْل قَوْله تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] ،وَسَائِرُ الآْيَاتِ وَالأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا، وَهِيَ عَامَّةٌ تَتَنَاوَل الرِّبَا فِي كُل مَكَانٍ وَزَمَانٍ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَحِل لَهُ أَخْذُ مَال الْحَرْبِيِّ مِنْ غَيْرِ خِيَانَةٍ وَلاَ غَدْرٍ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْ مَالِهِ، فَإِتْلاَفُهُ مُبَاحٌ، وَفِي عَقْدِ الرِّبَا وَنَحْوِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ رَاضِيَانِ، فَلاَ غَدْرَ فِيهِ، وَالرِّبَا وَنَحْوُهُ كَإِتْلاَفِ الْمَال، وَهُوَ جَائِزٌ. قَال مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ: وَإِذَا دَخَل الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَلاَ بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ أَمْوَالَهُمْ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ الْمُبَاحَ عَلَى وَجْهٍ عَرَا عَنِ الْغَدْرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ طَيِّبًا مِنْهُ.
وَأَمَّا خِيَانَةُ الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ عِنْدَهُمْ فَمُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَعْطَوُا الأَمَانَ لِلْمُسْلِمِ أَوِ الذِّمِّيِّ مَشْرُوطًا بِتَرْكِهِ خِيَانَتَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ، فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَعْنَى، وَلِذَلِكَ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ بِأَمَانٍ فَخَانَنَا، كَانَ نَاقِضًا لِعَهْدِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَمْ تَحِل لِلْمُسْلِمِ خِيَانَةُ الْحَرْبِيِّينَ إِذَا دَخَل دَارَهُمْ بِأَمَانٍ؛ لِأَنَّهُ غَدْرٌ، وَلاَ يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، فعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا" [1]
فَإِنْ خَانَهُمْ، أَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ، أَوِ اقْتَرَضَ شَيْئًا، وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ إِلَى أَرْبَابِهِ، فَإِنْ جَاءَ أَرْبَابُهُ إِلَى دَارِ الإِسْلاَمِ بِأَمَانٍ، أَوْ إِيمَانٍ، رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلاَّ بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، فَلَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَال مُسْلِمٍ. قَال الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ [2] :وَمِمَّا يُوَافِقُ التَّنْزِيل وَالسُّنَّةَ وَيَعْقِلُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، أَنَّ الْحَلاَل فِي دَارِ
(1) - السنن الكبرى للبيهقي (7/ 406) (14433و14434 و14435) من طرق حسن لغيره
(2) - الأم 4/ 165،7/ 222،323.