وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِإِطْلاَقِ قَوْله تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] .
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَبِلَهَا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ الْعَرَبِ، فَقَدْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَيَهُودِ الْيَمَنِ، وَأُكَيْدِرِ دَوْمَةِ الْجَنْدَل.
فعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، الَّذِينَ صَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْجِزْيَةِ، أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، لَيْسَتْ عَلَيَّ جِزْيَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: لَأَنْتَ مُتَعَوِّذٌ بِالْإِسْلَامِ مِنَ الْجِزْيَةِ؟،فَقَالَ: الرَّجُلُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كُنْتُ مُتَعَوِّذًا بِالْإِسْلَامِ مِنَ الْجِزْيَةِ - كَمَا تَقُولَ - أَمَا فِي الْإِسْلَامِ مَا يُعِيذُنِي؟ قَالَ: فَوَضَعَ عَنْهُ الْجِزْيَةَ" [1] "
وَأَهْل نَجْرَانَ عَرَبٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ. وَقَدْ كَتَبَ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى مُعَاذٍ - وَهُوَ بِالْيَمَنِ - أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ، [2]
وعَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَهُوَ بِالْيَمَنِ: «وَفِي الْحَالِمِ وَالْحَالِمَةِ دِينَارٌ أَوْ عِدْلُهُ مِنْ قِيمَةِ الْمَعَافِرِ، وَلَا يُفْتَنَنَّ يَهُودِيُّ عَنْ يَهُودِيَّتِهِ» [3]
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: فَقَدْ قَبِل رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ وَهُمْ عَرَبٌ إِذْ كَانُوا أَهْل كِتَابٍ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالإِجْمَاعِ قَال ابْنُ قُدَامَةَ:"إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَبِلاَ الْجِزْيَةَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ. فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا."
وَقَدْ ثَبَتَ بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ كَانُوا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ فِي بِلاَدِ الإِسْلاَمِ، وَلاَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ فِيهَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ، فَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّهُمْ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ. [4]
(1) - الأموال لابن زنجويه (1/ 172) (185) صحيح مرسل
(2) - قد مرَّ
(3) - المراسيل لأبي داود (ص:133) (117) صحيح مرسل
(4) - الأموال ص 40،والسنن الكبرى 9/ 187،والتلخيص الحبير 4/ 142،والمغني 8/ 499.