فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 309

فَالْحَدِيثُ عَامٌّ يَقْتَضِي عَدَمَ قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلاَّ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسَ فَمَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ، فَلاَ تُقْبَل الْجِزْيَةُ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ سَوَاءٌ أَكَانُوا عَرَبًا أَمْ عَجَمًا وَلِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مُقَدِّمَةٌ (سَابِقَةٌ) مِنَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَشَرِيعَةِ الإِسْلاَمِ، فَلاَ حُرْمَةَ لِمُعْتَقَدِهِمْ. [1]

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَخَذَ بِهَا هُوَ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ وَكَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ، ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنَ الْمُشْرِكِينَ إلاَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ. [2]

وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:5] فَهُوَ خَاصٌّ بِمُشْرِكِي الْعَرَبِ، لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} وَهِيَ الأَشْهُرُ الأَرْبَعَةُ الَّتِي كَانَ الْعَرَبُ يُحَرِّمُونَ الْقِتَال فِيهَا. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَأْخُذِ الْجِزْيَةَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.

رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ عَلَى الْجِزْيَةِ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، وَقَبِلَ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَكَانُوا مَجُوسًا» [3]

وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَهْلُ نَجْرَانَ، فِيمَا بَلَغَنَا، وَكَانُوا نَصَارَى، وَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَكَانُوا مَجُوسًا، ثُمَّ أَدَّى أَهْلُ أَيْلَةَ وَأَهْلُ أَذْرُحَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْجِزْيَةَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثُمَّ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ فَأَسَرُوا رَئِيسَهُمْ أُكَيْدِرَ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الْجِزْيَةِ" [4] "

(1) - الغاية القصوى 2/ 955،وأحكام القرآن لابن العربي 2/ 919.

(2) - بدائع الصنائع 9/ 4329،وتبيين الحقائق 3/ 277،وحاشية ابن عابدين 4/ 198،ومجمع الأنهر 1/ 670،والمغني 8/ 500،والجامع لأحكام القرآن 8/ 110،والمنتقى 2/ 173.

(3) - مصنف عبد الرزاق الصنعاني (6/ 86) (10091) صحيح مرسل

(4) - الأموال للقاسم بن سلام (ص:41) (84) صحيح مرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت