حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا» [1]
وقد عاش أهل الذمة في كنف الإسلام ردحًا طويلًا من الزمان، مصونة حقوقهم، لا يعتدي عليهم أحد من الناس ..
وهذه الحقوق التي أعطاهم الإسلام إياها لم يحصلوا عليها حتى في الدول التي حكمتهم من أبناء جلدتهم؛ لأنها لا تلتزم بالقوانين التي عندها، كما أنها جائرة وظالمة في حق معظم الناس.
وقد جاء وقت على المسلمين سقطت فيه دولة الخلافة الإسلامية، وتفرقوا أيدي سبأ وغزاهم أعداء الإسلام في عقر دارهم، وأخذت تنتشر بينهم أفكار مناقضة للإسلام، بثها أعداء الإسلام فيهم ... ومن جملة ذلك أن الإسلام قد ظلم أهل الذمة، وكلفهم فوق طاقتهم ... وغير ذلك من أكاذيب وترهات ... فقام فقهاء الهزيمة بالرد عليهم ردودا باردة، أدى بهم الحال إلى أن يتنكر كثير منهم لهذه الأحكام التي أجمع عليها علماء الإسلام وكانت مطبقة خلال ثلاثة عشر قرنا من الزمان، بحجة تغير الظروف الدولية .... وكأن أحكام الإسلام قد نسخت بالقوانين الدولية البشرية ... !!!!
قال تعالى: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:140]
فقد تأثر القوم بالقوانين الدولية وحقوق الإنسان وغير ذلك ....
وفاتهم أن هذه الحقوق غير مطبقة على حقيقتها في تلك الدول التي وقعت عليها أو التي صاغتها، بل وضربت بها عرض الحائط ....
ولا تطبق هذه الحقوق إلا على الدول التي لا تخضع لسلطانهم، ولا تنفذ أوامرهم ...
(1) - صحيح مسلم (3/ 1357) 3 - (1731)