إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ» ،قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» [1] ،وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُقْتَصُّ مِنَ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ، وَهَذَا قَوْل الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا إِذَا قَتَلَهُ الْمُسْلِمُ غِيلَةً (خَدِيعَةً) أَوْ لأَِجْل الْمَال، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (قِصَاصٌ) [2] .
وفي المرقاة:" (وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) :أَيْ: غَيْرِ ذِمِّيٍّ عِنْدَ مَنْ يَرَى قَتْلَ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ كَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ: وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ عَامٌّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُقْتَلُ بِكَافِرٍ قِصَاصًا، سَوَاءٌ الْحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقِيلَ: يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ، وَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ السَّلْمَانِيِّ «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:"أَنَا أَحَقُّ مَنْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ".ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ» .وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ لَا احْتِجَاجَ بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَخْطَأَ إِذْ قِيلَ: إِنَّ الْقَاتِلَ كَانَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ، وَقَدْ عَاشَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَنَتَيْنِ وَمَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ الْكَافِرَ كَانَ رَسُولًا، فَيَكُونُ مُسْتَأْمَنًا وَالْمُسْتَأْمَنُ لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ وِفَاقًا، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَقَدْ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الْفَتْحِ فِي خُطْبَةٍ خَطَبَهَا عَلَى دَرَجِ الْبَيْتِ:"وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» ". [3] "
ب - لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي الْقَتْل الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ وَشِبْهِ الْخَطَأِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِل، سَوَاءٌ أَكَانَ الْقَتِيل مُسْلِمًا أَمْ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ.
(1) - صحيح البخاري (4/ 69) (3047)
[ش (فلق الحبة) شقها في الأرض حتى تنبت ثم تثمر. (برأ) خلق. (النسمة) النفس]
(2) - ابن عابدين 3/ 249،والبدائع 7/ 236،ومغني المحتاج 4/ 16،والمهذب 2/ 185،186،والخرشي 8/ 3 - 6،وجواهر الإكليل 2/ 255،والمغني 7/ 652،653.
(3) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2266)