فهرس الكتاب

الصفحة 3829 من 4371

وأعني بتدفق الصور ، انبثاقها من بؤرة واحدة ، تنطلق جميعًا هنا وهناك ، ولكنها ترتبط بصلة وثقي بالمنبع ، وتدور حول فلك الأصل الواحد ولنأخذ مثلًا لذلك قصيدة"الهلال"التي نظمها في عيد ميلاده الثلاثين ، يقول فيها:

سنون تعاد ودهر يعيد ? لعمره ما في الليالي جديد

أضاء لآدم هذا الهلال ? فكيف تقول الهلال الوليد

نعد عليه الزمان القريب ? ويحصي علينا الزمان البعيد

علي صفحتيه حديث القري ? وأيام عاد ودنيا ثمود

وطيبة أهله بالملوك ? وطيبة مقفرة بالصعيد

يزول ببعض سناه الصفا ? ويفني ببعض سناه الحديد

ومن عجب وهو جد الليالي ? يبيد الليالي فيما يبيد

يقولون يا عام قد عدلت لي ? فيا ليت شعري بماذا تعود ؟

لقد كنت لي أمس ما لم أرد ? فهل أنت لي اليوم ما لا أريد

ومن صابر الدهر صبري له ? شكي في الثلاثين شكوي لبيد

ظمئت ومثلي بري أحق ? كأني"حسين"ودهري"يزيد"

تغابيت حتي صحبت الجهول ? وداريت حتي صحبت الحسود

نظم شوقي هذه القصيدة في مناسبة عيد ميلاده الثلاثين ، لقد انصرم عام أخر من عمره ، ومن ثم كان من الطبيعي أن يلقي بنظره إلي الوراء ، ليري حصيلة هذا العام ، بل ومقدار ما أنجزه في الثلاثين التي مضت ، إنه ليشعر بان تلك السنون الخالية كانت جميعًا من نمط واحد ، فإحساسه بأن حياته مرت كلها علي وتيرة واحدة يدفعه إلي إسقاط هذه الرتابة علي الزمن ذاته .

"سنون تعاد ودهر يعيد"هذه هي القضية العامة الذي يستهل بها الشاعر قصيدته ولفظة"تعاد"تعني أن الدهر يرجع السنين لنا كما هي ، أو يجعلها تؤوب إلينا كما رحلت عنا ، وهي تعني كذلك أن الدهر"يكرر"هذه السنين ، وغني عن الذكر ما في المدلولين - وكلاهما مقصود - من صفة الرتابة والآلية ، السنون تعود وتعاد ، ولا شئ جديد .

والهلال يطل علي آدم ، ومن ولد آدم عاد وثمود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت