وفيها غني شوقي غناء حزين ، وحن حنينًا إلي مصر رقيقًا وتمني جرعة من النيل تروي عطشه وتبل حرقته ورأي في ابن زيدون غربة وحرمانًا تلتقي وحرقته:
يا ساكني مصر أنا لا نزال علي ? عهد الوفاء وإن غبنا مقيمينا
هلا بعثتم لنا من ماء نهركم ? شيئًا نبل به أحشاء صادينا
كل المناهل بعد النيل آسنة ? ما أبعد النيل عن أمانينا
فكيف كانت عودة شوقي إلي مصر ؟
في سنة 1919 وفي قصر السلطان حسين كامل بمصر وكان قد جمع أصدقاءه وخاصته في ليلة من ليالي الأنس ، إذ التمس منه الشاعر المصري وصديق شوقي ، إسماعيل صبري أن يسمح للشاعر الغريب بالعودة إلي الوطن فتزدان به مصر ويفخر به المصريون فاستجاب السلطان لطلب إسماعيل صبري وأذن لشوقي بالعودة إلي مصر ، فاستعدت جماهير من الطلبة ومن عموم الناس لاقتباله ، ولما اقتربت السفينة من الميناء طفرت الدموع من عينه وهتف قائلًا:
يا وطني لقيتك بعد يأس ?كأني قد لقيت بك الشبابا
ولو أني دعيت لكنت ديني ? عليه أقابل الحتم المجابا
أدير إليك قبل البيت وجهي ? إذا فهت الشهادة والمتابا
وقد أتاح النفي لشوقي أن يراجع حياته وبعض مواقفه التي جانب فيها الصواب وحاد عن مطامح الوطن كالمواقف الجادة التي وقفها من أحمد عرابي ، وصار شوقي يؤمن بالشعب بطلًا أوحد في التاريخ ويهجن من سلطة الأفراد .
ثالثا: استنهاض الهمم
أدرك شوقي بعد عودته من منفاه ، أن الشباب الذي حمله علي الأعناق أكراما ، إنما هو القوة الضاربة في مصر وهو القادر علي تبديل حال بحال ، وإليه توكل الثورات التي تعصف بالحكام والطغاة فكان يتوجه إلي الشباب ينفخ فيهم لهيب الثورة ويحثهم علي مواصلة المقاومة التي بدأها أحرار مصر:
شباب النيل إن لكم لصوتا ? ملبي حين يرفع مستحبابا
فهزوا"العرش"بالدعوات"حتي ?يخفف عن كنانته المصابا"