جاءت أغلب قصائد شوقي الوطنية ذات بناء كلاسيكي يذكرك بالقصيدة الجاهلية مستجيبة تقريبًا لعمود الشعر الذي نبه إليه قدامه بن جعفر رغم حداثة الموضوع الذي ينظم فيه . فأنت مازلت تجد الوقفة الطللية ومازلت تجد الحديث عن الرحلة والراحلة باللغة القديمة التي تذكرك بالصحراء والفيافي والنياق والخيول ، ومازلت تجد بث لواعج الشوق والمحبة إلي الأحبة والخلان ، غير أن الممدوح لم يعد هو ذاك الذي عرف قديمًا وإنما هو الوطن مصر والشعب الذي عاش بين أحضانه . يقول:
يا نائح الطلح أشباه عوادينا ? نشجي لواديك أم نأسي لوادينا
ماذا تقص علينا غير أن يدا ? قصت جناحك جالت في حواشينا
رما بنا البين أيكا غير سامرنا ? أخا الغريب: وظلا غير نادينا
وإذا دعا الشوق لم نبرح بمنصدع ? من الجناحين عي لا يلبنيا
رسم وقفنا علي رسم الوفاء له ? تجيش بالدمع والإجلال يثنينا
هذا مطلع من قصيدة عارض بها شوقي ابن زيدون استهلها بالوقوف علي الأطلال علي طريقة الشاعر الجاهلي وأن من يقرن نونية ابن زيدون:
أضحي التنائي بديلًا من تدانينا ? وناب عن طيب لقيانا تجافينا
إلي نونية شوقي يستطيع أن يلاحظ أن نونية ابن زيدون كلها لوعة وحرقة وشكوي من البين والأعداء والزمن وأنها مشحونة بعتاب حبيبته ولادة في تضاعيف كل ذلك وأثنائه ، أما شوقي فاستهل قصيدته بمناجاة طائر حزين يرسل شجوه بوادي الطلح في ضاحية أشبيلية وكأنه يعبر عن حزنه ولوعته لفراق وطنه ، فقد وقف علي الرسوم الدارسة ولكنها ليست أثار مقام الحبيبة وإنما هي رسوم الحضارة العربية الإسلامية تذكره ببلده وبملاعبه وهو حين يخاطب البرق لا يحمل تحية إلي الحبيبة كابن زيدون في قوله:
يا سارق البرق غاد القصر واسق به ?من كان صرف الهوي والود يسقينا
وإنما ليستهديه تحية إلي منازله بالنيل وتحسس رائحة وطنه .