فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 74""""""
قال الإمام أحمد: عدة من أصحاب النبي ( يحبسون الماء لشفاههم ويتيممون . ونص على أنه لو رأى قوما عطاشا ومعه إداوة من ماء ، أنه يسقيهم الماء ويتيمم .
واختلف أصحابنا: هل ذلك على الوجوب أو الاستحباب ؟ على وجهين ، أصحهما: أنه للوجوب ، وهو قول الشافعية .
فهذا الحديث محمول على أنه ( لم يخف على نفسه عطشا ، ولم يجد قوما عطاشا في الحال ، فلذلك توضأ بالماء ولم يتيمم . ويدل على أنه لا يحبس الماء لخوف عطش يحدث لرفقته .
ولم ينص أحمد على حبس الماء خشية عطش يحدث لرفقته ، وإنما قال أصحابه متابعة لأصحاب الشافعي ، وقالوا: هل حبس الماء لعطش غيره المتوقع واجب أو مستحب ؟ فيه وجهان ، قالوا: وظاهر كلام أحمد أنه مستحب غير واجب ؟ لان حاجة الغير هنا متوقعة وحاجته للطهارة حاضرة ، وقد ترجحت بكونه مالكا ، ولهذا قدمنا نفقة الخادم على نفقة الوالدين ، وان كانت حاجتهما إلى النفقة اشد من حاجة نفسه إلى الخدمة ، تقديما لنفسه على غيره .
قلت: وحديث عمران يدل على أنه لا يستحب - أيضا - بل يقدم الوضوء على عطش الرفيق المتوقع ، فإنه لو كان ذلك أفضل من الوضوء لحبس النبي ( الماء وتيمم ، فإنه كان معه خلق من أصحابه ، وكان الماء معهم قليلا جدا ولهذا شكوا إليه العطش عقيب ذلك عند اشتداد حر الشمس وارتفاع النهار ، وكان الماء منهم بعيدا .
وقد أشار إلى هذا المعنى الذي ذكرناه أبو المعالي الجويني من الشافعية ، وخالف أصحابه فيما ذكروه من حبس الماء لعطش رفقته المتوقع ، وهذا هو الذي دلت عليه هذه السنة الصحيحة ، والله أعلم .