فعجب المتوكل والفقهاء من هذا الجواب وبعث إليه بمال كثير فقال علي قد ذكرنا الواجب فتصدق أنت بما أحببت.
وذكر أبو الحسن المسعودي في كتابه وقال نمي إلى المتوكل بعلي بن محمد أن في منزله كتباً وسلاحاً من شيعته من أهل قم وأنه عازم على الوثوب بالدولة فبعث إليه جماعة من الأتراك فهجموا داره فلم يجدوا فيها شيئاً ووجدوه في بيت مغلق عليه وعليه مدرعة من صوف وهو جالس على الرمل والحصى متوجهاً إلى الله تعالى يتلو آيات من القرآن فحمل على حاله تلك إلى المتوكل وقالوا للمتوكل إنهم لم يجدوا في بيته شيئاً ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة وكان المتوكل جالساً في مجالس الشراب فأدخل عليه والكأس في يدي المتوكل فلما رآه هابه وعظمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس التي كانت في يده، فقال: والله ما خامر لحمي ودمي قط فأعفني فأعفاه فقال له: أنشدني شعراً فقال علي أنا قليل الرواية للشعر فقال لا بد فأنشد علي عليه السلام:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا بعد عز من معاقلهم ... وأسكنوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد دفنهم ... أين الأساور والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمة ... من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين سائله ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا ... فأصبحوا اليوم بعد الأكل قد أكلوا
فبكى المتوكل حتى بلت لحيته دموع عينه وبكى الحاضرون ودفع لعلي أربعة