سعيد بن العاص اسم جديد يظهر في سماء الكوفة بعد أن عُزل الوليد بن عقبة .. اسم جديد يتولى إمارة المدينة المشاكِسة التي دعا عليها عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص والوليد ابن عقبة بسبب ظلمهم وافترائهم على أمرائهم ..
فقدم سعيد الكوفة في خلافة عثمان أميرًا، وخرج معه من مكة - أو المدينة - الأشتر وأبو خشّة الغفاريّ وجندب بن عبد الله وأبو مصعب بن جثّامة - وكانوا فيمن شخص مع الوليد يعيبونه، فرجعوا مع هذا - فصعد سعيد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره؛ ولكنّي لم أجد بدًّا إذ أمرت أن أتّّمر ألا إنّ الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها؛ ووالله لأضربنّ وجهها حتى أقمعها أو تعييني؛ وإني لرائد نفسي اليوم. ونزل. وسأل عن أهل الكوفة، فأقيم على حال أهلها.
فكتب إلى عثمان بالذي انتهى إليه: إنّ أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغُلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة والقدمة؛ والغالب على تلك البلاد روادف ردفت، وأعراب لحقت؛ حتى ما ينظر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ولا نابتتها.
فكتب إلى عثمان: أمّا بعد؛ ففضَّل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعًا لهم؛ إلاّ أن يكونوا تثاقلوا عن الحقّ، وتركوا القيام به وقام به هؤلاء. واحفظ لكِّ منزلته، وأعطهم جميعًا بقسطهم من الحقّ، فإنّ المعرفة بالناس بها يصاب العدل.
فأرسل سعيد إلى وجوه الناس من أهل الأيّام والقادسيّة، فقا: أنتم وجوه من وراءكم، والوجه ينبيء عن الجسد؛ فأبلغونا حاجة ذي الحاجة وخلّة ذي الخلّة. وأدخل معهم من يحتمل من ماللواحق والرّوادف؛ وخلص بالقرّاء والمتسمِّتين في سمره، فكأنما كانت الكوفة يبسًا شملته نار؛ فانقطع إلى ذلك الضرب ضربهم، وفشت القالة والإذاعة.
فكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فنادى منادي عثمان: الصلاة جامعة! فاجتمعوا، فأخبرهم بالذي كتب به إلى سعيد، وبالذي كتب به إليه فيهم؛ وبالذي جاءه من القالة والإذاعة، فقالوا: أصبت فلا تسعفهم في ذلك؛ ولا تطعمهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لم يحتملها وأفسدها.
فقال عثمان: يا أهل المدينة استعدّوا واستمسكوا، فقد دبّت إليكم الفتن. [1]
وأدخل معهم من يُحتاج إليه، ثم جمع القراء والعلماء واختصهم لنفسه، وجعلهم من أهل مجلسه وسمره. وسار سعيد بن العاص على هذه السياسة الرشيدة في الإدارة، وبث الجيوش والسرايا لاستكمال الفتوحات في طبرستان والباب حتى بلغ أذربيجان ..
وسارت الأمور على ما يرام حتى سنة ثلاث وثلاثين الهجرية، حيث قام بعض المنحرفين بالكوفة بأعمال شغب انتهت بتسييرهم إلى الشام. وأصبحت الكوفة وكأنها حطب يابس اشتعلت فيه النيران، فانتشرت الشائعات بالقدح والذم في ولاة عثمان، بل وفي عثمان نفسه؛ لأنه هو الذي اختارهم وولاهم.
اختلف أهل السير في ذلك، فأما سيف فإنّه ذكر فيما كتب به إليّ السريّ عن شعيب عنه، عن محمد وطلحة، قالا: كان سعيد بن العاص لا يغشاه إلاّ نازلة أهل الكوفة
(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 443)