أما أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه فهداه اجتهادُه إلى غير ذلك، إذْ رأى أن بيعته قد انعقدت، وأن الوالي ليس عليه إلا أن يُبايع هو وأهلُ مِصْرِهِ إذا بايع أهلُ المدينة، وقد بايعوا، فلماذا إذًا امتناعُه؟ وهل هو من أهل الشورى ليُؤْخَذَ رأيُه في البيعة؟
وقد عزله الخليفةُ المُبَايَعُ فلم يمتثل؛ فعُدَّ خارجًا على الإمام؛ لذا أخذ عليٌّ يُعِدُّ لقتال أهل الشام.
لما أرسل عليٌّ الولاةَ إلى الأمصار، إذا بواليه سهلِ بنِ حُنيف الذي أرسله إلى الشام ليخلف معاوية ـ يعود إليه وقد فشل في تَوَلِّي الأمر، وعليٌّ الذي عُرف بالشدة والحسم أبَى إلا الحق ـ كما رآه ـ فقرر قتالَ معاوية؛ وعَدَّ خلافَه بَغْيًا وخروجا عن الطاعة بعدما انعقدت بيعته بِمَنْ بايَعَ، فلزمت مَنْ لم يبايعْ.
وأرسل عليّ إلى أهل الأمصار يستنفِرُهم لقتال معاوية، وشرع في التهيُّؤ والتجهّز، وخطب في أهل المدينة ودعاهم إلى النهوض لقتال"أهل الفُرقة"، ولكنه رأى تثاقلا منهم عن الخروج معه، فلم يجبر أحدًا، وإنما سار بِمَنْ نَهَضَ معه.
وجاء إليه ابنُه الحسنُ ينصح بعدم الإقدام على القتال صونا لدماء المسلمين، فقال:"يا أبة، دَعْ هذا، فإن فيه سفك دماء المسلمين، ووقوع الاختلاف بينهم"، فلم يقبل منه ذلك، وأصرَّ على القتال، ورتَّبَ الجيشَ، ودفع اللواء إلى ابنه محمد بن الحنفيَّة، وولَّى عبدَ الله بن عباس ميمنتَه، وعمرَ بن أبي سلمة ميسرته، وجعل على مقدمته أبا ليلى بنَ عمرو بنِ الجراح ابنَ أخي أبي عبيدةَ، واستخلف على المدينة قثم بن العباس.
ولم يُوَلِّ أحدًا ممن خرج على عثمانَ، لا على الأمصار ولا على أجناد الجيش، وفيهم الأشِدّاء وذَوُو البأس.
ولم يبق شيء إلا أن يخرج من المدينة قاصدا الشام، حتى جاءه ما شغله عن ذلك كله، وهو خبر خروج عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة، فقرر أن يخرج أولا إلى العراق للقائهم.
قد يختَلِف اثنان في وجهات النظر، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجودَ بغضاء أو كراهية بينهما، وقد يذهبان أبعدَ من ذلك فيتصرّفان بناء على وجهات النظر المختلفة، وهذا أيضا ينبغي ألا يُورث حقدًا أو كراهيةً بين الطرفين ..
وقد كان قَتْلُ عثمان ـ رضي الله عنه ـ فاجعةً، زاد من ألمها أنها وقعت في أيام الحج، حين كان أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤدِّين الفريضة قُربَى إلى الله، وفرارا من الفتنة، فلما بلغ الناسَ ـ وفيهم أمهات المؤمنين ـ أن عثمان قُتِلَ، أقاموا بمكة، واستأذن طلحة والزبير عليا في العمرة، فأذِنَ لهما، فخرجا إلى مكة، وتبعهم خلق كثير وجَمٌّ غفيرٌ من بني أمية وكل من أغضبه قَتْلُ عثمان، وتساقَطَ الهُرَّابُ إليها.