فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 366

عَلَتْهُ رُوحُ أخوَّةِ الإسلام كان اتفاقٌ على الصلح بين عليٍّ وبين الرَّكْبِ المكّي؛ وذلك يوم الخميس نصف جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين من الهجرة.

لكنّ المتآمرين ضد الإمام الشهيد عثمان ـ رضي الله عنه ـ من السبئيّة ومثيري الفتن ساءهم ذلك الصلحُ، وأحسّوا خطرًا على أنفسهم في تمامه؛ لذا تآمروا حتى قتلوا اتفاق الصلح قبل أن يتم، ووقع لذلك قتالُ يوم الجمل المشئوم.

كانت مواطنُ الضعف في معسكر الإمام عليّ هي وجودُ كثيرٍ من المُنْدَسِّينَ فيه ممن اشتركوا في قتْلِ عثمان أو التخطيط له، وعلى رأسِهم مَنْ حادَّ اللهَ ورسولَه عبدُ الله بن سبأ والأشْتَرُ النَّخَعِيّ، ولم تكن لعليّ ـ رضي الله عنه ـ حيلةٌ في وجودهم معه، ولا قدرةٌ على إبعادهم في هذه الظروف؛ إذْ كانوا قوةً كبيرةً تساندُهم عصبيات قَبَلِيّة. وقد أدرك زعماؤهم الذين تولَّوْا تأجيجَ الثورةِ على عثمانَ أن الصلح بين الفريقين سيقوِّي عليّا بانضمام الفريق الآخر إليه، ويجعل من الفريقين جبهةً واحدة قوية يَسْهُلُ أنْ تَثْأَرَ لعثمان من قَتَلَتِه، فعزموا على إفْساد الأمرِ كلِّه، وتداوَلُوا الرأيَ بينهم، حتى انْتَهَوْا إلى ضرورة إشْعال القتال من جديد.

وفي ليلة الصلح؛ وبينما الناسُ في معسكر عليّ ومعسكر طلحة والزبير نائمون، تُداعب رءوسَهم أحلامُ وأمانيُّ العودةِ إلى وحدة الصف واتفاق الكلمة ـ إذا بهم يَفْزَعُونَ لأصواتِ السيوف وَصَيْحات الجنود، وكأنه حُلْمٌ مُزعج، لكنه ـ يا أسَفَا ـ كان قتالًا حقيقيا أشعله السبئيّةُ والثائرون على عثمان ـ رضي الله عنه ـ وقامت الحرب حاميةً على قَدَمٍ وساقٍ، وتبارز الفرسان، وجالت الخيل، وقد اجتمع مع عليّ عشرون ألفا، والتفَّ حول عائشة نحوٌ من ثلاثين ألفا.

وبدأت المعركة ومنادِي عليٍّ ينادي: أيُّها الناس، كُفُّوا فلا شيء، ألا كُفّوا، ألا كُفّوا، فلا يَسمع له أحد.

ودارتْ رَحَى معركةِ الجملِ حاميةً، وخسر المسلمون فيها وحْدَتَهم، كما خلَّفت الكثير من المآسي؛ لعل أبرزها مقتل طلحة والزبير رضي الله عنهما.

معركة الجمل [1]

(1) - وفي العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - (ج 1 / ص 135)

عاصمة

أما وجود الحرب بينهم فمعلوم قطعًا، وأما كونه بهذا السبب فمعلوم كذلك قطعًا، وأما الصواب فيه فمع علي، لأن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، وتهمة الطالب للقاضي لا توجب عليه أن يخرج عليه، بل يطلب [الحق] عنده، فإن ظهر له قضاء وإلا سكت وصبر، فكم من حق يحكم الله فيه. وإن لم يكن له دين فحينئذ يخرج عليه، فيقوم له عذر في الدنيا (1) .

ولئن اتهم علي بقتل عثمان فليس في المدينة أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو متهم به، أو قل معلوم قطعًا أنه قتله لأن ألف رجل جاءوا لقتل عثمان لا يغلبون أربعين ألفًا (2) .

وهبك أن عليًّا وطلحة والزبير تضافروا على قتل عثمان، فباقي الصحابة من المهاجرين والأنصار ومن اعتد فيهم وضوى إليهم ماذا صنعوا بالقعود عن نصرته؟

(1) وجود قتلة عثمان في معسكر علي حقيقة لا يماري أحد فيها، بل إن الأشتر وهو من رءوس البغاة على عثمان كان أكبر مسعر للحرب بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين في معسكر علي والذين في معسكر معاوية. ولما طالب علي معاوية ومن معه من الصحابة والتابعين أن يبايعوه احتكموا إليه في قتلة عثمان وطلبوا منه أن يقيم حد الله عليهم أو أن يسلمهم إليهم فيقيموا عليهم حد الله. وقد اعتذرنا عن أمير المؤمنين علي في هامش ص 146 بأن قتلة عثمان لما صاروا مع علي في العراق صاروا في معقل قوتهم وعنجهية قبائلهم، فكان علي يرى- بينه وبين نفسه- أن قتلهم يفتح عليه بابا لا يستطيع سده بعد ذلك. وقد انتبه لهذه الحقيقة الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي وتحدث بها مع أم المؤمنين عائشة وصاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة والزبير فأذعنوا له وعذروا عليا ووافقوا على التفاهم معه على ما يوصلهم إلى الخروج من هذه الفتنة، فما لبث قتلة عثمان أن أنشبوا الحرب بين الفريقين. فالمطالبون بإقامة حد الله على قتلة عثمان معذورون لأنهم يطالبون بحق، سواء كانوا من أصحاب الجمل، أو من أهل الشام. وتقصير علي في إقامة حد الله كان عن ضرورة قائمة ومعلومة. ولكن إذا كانت حرب البصرة ناشئة عن إنشاب قتلة عثمان الحرب بين الفريقين الأولين، فقد كان من مصلحة الإسلام أن لا تنشب حرب صفين بين الفريقين الآخرين. وكان سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي كارها خروج أبيه من المدينة إلى العراق لما يخشاه من نشوب الحرب مع أهل الشام، وهم جبهة الإسلام العسكرية في الجهاد والفتوح. ولو أن عليا لم يتحرك من الكوفة استعدادا لهذا القتال لما حرك معاوية ساكنا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (2: 219) : «لم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء» وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال 249 و 251 و 262. ومع ذلك فإن هذه الحرب المثالية هي الحرب الإنسانية الأولى في التاريخ التي جرى فيها المتحاربان معا على مبادئ الفضائل التي يتمنى حكماء الغرب لو يعمل بها في حروبهم ولو في القرن الحادي والعشرين. وإن كثيرا من قواعد فقه الحرب في الإسلام لم تكن لتعلم وتدون لولا وقوع هذه الحرب، ولله في كل أمر حكمة.

(2) ليس في أهل السنة رجل واحد يتهم عليا بقتل عثمان، لا في زماننا ولا في زمانه. وقد مضى الكلام على ذلك في هذا الكتاب. وكل ما في الأمر وجود قتلة عثمان مع علي، وموقف علي منهم، وعذره بينه وبين الله في موقفه هذا. فنحن جميعا على رأي القعقاع بن عمرو بأن موقف علي موقف ضرورة. غير أن الحمقى من إخباري الشيعة دسوا على علي أخبارا تشعر بغير ما كان في قلبه من المحبة والرضا والموالاة والتأييد لعثمان أثناء محنته، فأساءوا بذلك إلى علي من حيث يريدون الإساءة إلى عثمان. أما معاوية وفريقه فلم يذكروا عليا في أمر البغي على عثمان إلا لمناسبة انضواء قتلة عثمان إليه واستعانته بهم. فقتلة عثمان هم الذين أساءوا إلى الإسلام وإلى عثمان وإلى علي أيضا. فالله حسيبهم. ولو أن كل المسلمين كانوا كعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في حزمه- قبل أن تستفحل الفتنة ويفلت الزمام من أيدي العقلاء- لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت