اختار أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب القعقاعَ بن عمرو ليدْعُوَ أخويْه طلحة والزبير إلى الأُلْفة والجماعة، ويُعَظِّم عليهما الفُرقةَ، فلم يكن أمير المؤمنين عليّ يبغي حربا، وقد صرح بذلك مرارًا لأتْباعه بالرَّبَذَةِ، ولمَنْ جاءوا إليه من أهل الكوفة، وكانت هذه دعوته دائما.
وسأل أميرُ المؤمنين القعقاعَ: كيف تصنع فيما جاءك منهما وليس فيه وصاةٌ مِنّي؟ فأجاب قائلا: نلقاهم بالذي أمرتَ به، فإن جاء منهما أمرٌ ليس عندنا منك فيه رأيٌ اجتهدنا الرايَ، وكلَّمْناهم على قدر ما نَسْمعُ ونرى أنه ينبغي. قال: أنتَ لها.
فقَدِمَ القعقاعُ البصرةَ، وبدأ بأمِّ المؤمنين عائشةَ، فسلَّمَ عليها، وقال: أيْ أُمَّهْ؛ ما أشْخَصَكِ وما أقْدَمَكِ هذه البلدةَ؟ قالت: أيْ بُنَيّ، إصلاحٌ بين الناس، قال: فابْعَثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامَهما، فبعثَتْ إليهما فجاءا، فقال: إني سألْتُ أمَّ المؤمنين ما أشْخَصَها وأقْدَمَها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أمُتابِعان أم مُخالِفان؟ قالا: مُتابِعان، قال: فأخْبِرَانِي ما وَجْهُ هذا الإصلاح؟ فوالله لَئِنْ عرفناه لَنُصْلِحنَّ، ولَئِنْ أنْكرناه لا نُصلح.
قالا: قَتَلَةُ عثمان، فإنّ هذا إنْ تُرِكَ كان تَرْكًا للقرآن؛ وإنْ عُمِلَ به كان إحياءً للقرآن.
فقال: قد قَتلْتُما قَتَلَةَ عثمانَ من أهل البصرة، وأنتم قبلَ قَتْلِهم أقربُ إلى الاستقامة منكم اليومَ، قتلتم ستمائة إلا رجلا ـ يعني حُرْقُوص بن زُهير ـ فغضب لهم ستةُ آلافٍ، واعْتَزَلُوكم وخرجوا من بين أظْهُرِكم، وطَلبْتُم حُرْقُوصَ، فمنَعَه منكم ستةُ آلافٍ، فإنْ تركتموه كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والذين اعْتَزَلُوكم فأُدِيلُوا عليكم (أي انتصروا) ، فالذي حَذِرْتم وقَرِبْتُمْ به هذا الأمرَ أعظمُ مما أراكم تكرهون (أي: أن الذي تريدونه من قَتْلِ قَتَلَةِ عثمان مصلحة، لكن المفسدة المترتبة عليها أكبر منها) ، وكما عجزتم عن الثأر لعثمان من حُرقوص بن زهير لقيام ستةِ آلافٍ في منعه ممن يريد قتله، فعَلِيٌّ أَعْذَرُ في ترْكِهِ الآن قتلَ قَتَلَةِ عثمان، وإنما أخَّر قَتْلَ قَتَلَتِهِ إلى أنْ يتمكن منهم، فإن الكلمة في جميع الأمصار مختلفةٌ". ثم أَعْلَمَهم أن خَلْقًا من ربيعةَ ومُضَرَ قد اجتمعوا لحربهم بسبب هذا الأمر الذي وقع."
فقالتْ أم المؤمنين: فماذا تقول أنت؟ قال: إن هذا الأمر دواؤُهُ التسكين .. فإنْ أنتم بايعتمونا فعلامةُ خيرٍ وتباشيرُ رحمةٍ ودَرَكٌ بثأر، وعافيةٌ وسلامةٌ لهذه الأمة، وإنْ أنتم أبيتم إلا مكابرةَ هذا الأمر واعْتِسَافَه كان علامةَ شرٍّ .. فآثِرُوا العافيةَ تُرْزَقُوها، وكونوا مفاتيحَ الخير كما كنتم، ولا تُعَرِّضونا للبلاء، ولا تَعَرَّضُوا له فيصرعنا وإياكم. وايْمُ الله، إني لأقولُ هذا القولَ وأدعوكم إليه وإني لخائفٌ ألا يتمّ حتى يأخذ الله ـ عز وجل ـ حاجتَه من هذه الأمة التي قلَّ متاعُها ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث أمرٌ ليس يقدّر، وليس كالأمور، ولا كقَتْلِ الرجُلِ الرجُلَ، ولا النّفرِ الرجُلَ، ولا القبيلةِ الرجلَ.
فقالوا: نعم، إذًا قد أحسنْتَ وأصبتَ المقالةَ، فارْجِعْ فإن قَدِمَ عليٌّ وهو على مِثْلِ رأيِك صَلَحَ هذا الأمرُ.
فرجع إلى أمير المؤمنين عليّ فأخبره الخبر، فأعجبه ذلك، وسُرَّتْ به نفسه، وأشْرَفَ القوم على الصلح، وقام عليّ في الناس خطيبا يُعْلِمُهم بنبأ الصلح. وبعد لقاء