الله عليه وسلم وموضع ثقته طوال حياته، مجاهدا معه، وملاصقا له. وبعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم بقي عثمان قريبا من صاحبيه أبي بكر وعمر مساعدا ومستشارا أمينا.
وبعد وفاتهما جاء الدور على عثمان رضي الله عنه ليتولى بنفسه إمارة المؤمنين، متحملا هذه المسئولية الصعبة بعد أن اتسعت الدولة الإسلامية، وانفردت في العالم كأقوى قوة بشرية في هذا العصر.
لقد تولى الخليفة الراشد الثالث الأمرَ، وحَمَلَ الأمانة، وأعطى عزمه الرشيد لمسئولياته الجسام، ومنهجُه في ذلك الرفق واللين، والعمل على راحة الرعية، وإيثار الآخرة الباقية على الدنيا الفانية.
وكان حياء عثمان رضي الله عنه الشهير مصحوبا بميل واضح نحو الرفق، وكراهية التشديد على الناس، وإن كان هذا مفيدا للنفوس السوية المستقيمة، فإن النفوس النكدة التي لم تُهذَّب رغباتها وتطلعاتها بالدين، ولم تؤدَّب سلوكياتها على ضوء الشريعة هذه النفوس تعده ضعفا وقلة خبرة ..
لقد مرت الأعوام الستة الأولى من خلافة عثمان رضي الله عنه على خير وجه، حتى حقق المسلمون فيها الكثير من الإنجازات الرائعة، مثل: تثبيت الفتوحات في البلاد التي انتفضت عقب وفاة الفاروق عمر، وفتح بلاد جديدة، وبناء الأسطول الإسلامي ..
أما ما بقى بعد ذلك من سنوات الخلافة الراشدة، فقد تحولت الريح الباردة الهادئة فيها من اعتراضات عادية إلى تمرد على الخليفة وولاته إلى عاصفة أخذت تتجمع شيئا فشيئا، وينادى بعضها بعضا حتى تحولت إلى إعصار كُتب على عثمان رضي الله عنه الخليفة الشيخ أن يواجهه وحده، في محنة هبطت بها شراسة المتآمرين إلى السفح، وارتفع بها تسامح الخليفة الشهيد وحكمته إلى القمة .. !!
إن دور النصح الذي يجب على الأمة نحو أمرائها، ينبغي ألا يتحوّل إلى محرِّك لأمواج الفتن؛ لأنها إذا ثارت لم تفرق بين الرعية والراعي، بل قد تقتلع في طريقها خيام الفقراء، وتدك منازل المعتزلين الذين يأبون الخوض في الفتن. وهذا شيء لم يراعه الذين أثاروا الاحتجاجات والاعتراضات في وجه الخليفة الجليل عثمان بن عفان، فلا صانوا هيبةَ الخلافةِ، ولا رَعَوْا أدب الخلاف، ولا حفظوا وحدة مجتمعهم وأمتهم!
وقد تلخصت اعتراضاتهم على الخليفة الراشدي [1] في أمور هي:
(1) - الاعتراض على الأمراء ليس جديدا في عهد عثمان رضي الله عنه، وإنما بدأ منذ عهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه
فقد اعترض أهل حمص على واليه سعيد بن عامر
فقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن خالد بن معدان قال: استعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي ــــ رضي الله عنه ــــ. فلما قدم عمر بن الخطاب حمص قال: يا أهل حمص، كيف وجدتم عاملكم؟ فشكوه إليه ــــ وكان يقال لأهل حمص الكُوَيفة الصغرى لشكايتهم العمال ــــ قالوا: نشكوا أربعًا: لا يخرج إِلينا حتى يتعالَى النهار. قال: أعْظِم بها. قال: وماذا قالوا: لا يجيب أحدًا بليل. قال: وعظيمة. قال: وماذا؟ قالوا: وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا. قال: عظيمة. قال: وماذا؟ قالوا: يغنظ الغنظة بين الأيام ــــ يعني تأخذه مُوتَة ــــ.
قال: فجمع عمر رضي الله عنه بينهم وبينه وقال: اللهمّ لا تفل رأيي فيه اليوم، ما تشْكون منه؟ قالوا: لا يخرج إِلينا حتى يتعالى النهار. قال: والله إن كنت لأكره ذكره؛ ليس لأهلي خادم، فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم. فقال: ما تشْكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحدًا بليل. قال ما تقول؟ قال: إن كنت لأكره ذكره؛ إنِّي جعلت النهار لهم، وجعلت الليل لله عزّ وجلّ. قال: وما تشكون؟ قالوا: إنَّ له يومًا في الشهر لا يخرج إلينا فيه. قال: ما تقول؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبلها. قال: ما تشكون منه؟ قالوا: يغنظ الغنظة بين الأيام. قال: ما تقول؟ قال: شهدت مصرع خُبَيب الأنصاري رضي الله عنه بمكة، وقد بضَّعت قريش لحمه، ثم حملوه على جذعة فقالوا؛ أتحب أن محمدًا مكانك؟ فقال: والله ما أحب أنِّي في أهلي وولدي وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم شِيك بشوكة، ثم نادى: يا محمد، فما ذكرت ذلك اليوم، وتَرْكي نُصرته في تلك الحال، وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم؛ إلا ظننت أن الله عزّ وجلّ لا يغفر لي بذلك الذنب أبدًا. قال: فتصيبني تلك الغنظة. فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفل فراستي.
فبعث إليه بألف دينار وقال: إستعن بها على أمرك، فقالت إمرأته: الحمد لله الذي أعنانا عن خدمتك، فقال لها: فهل لك في خير من ذلك؟ ندفعها إِلى من يأتينا بها أحوج ما نكون إليها، قالت: نعم. فدعا رجلًا من أهل بيته يثق به فصرَّرها صررًا، ثم قال: إنطلق بهذه إلى أرملة آل فلان، وإِلى يتيم آل فلان، وإِلى مسكين آل فلان، وإِلى مُبتَلى آل فلان. فبقيت منها ذُهيبة. فقال: أنفقي هذه، ثم عاد إلى عمله. فقالت: ألا تشتري لنا خادمًا؟ ما فعل ذلك المال. قال: سيأتيك أحوج ما تكونين.
واعترض أهل الكوفة على سعد رضي الله عنه وعلى المغيرة رضي الله عنه
فقد روى البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ - رضى الله عنه - فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّى، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّى قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّى كُنْتُ أُصَلِّى بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّى صَلاَةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِى الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِى الأُخْرَيَيْنِ. قَالَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ. فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلاَّ سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِى عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لاَ يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلاَ يَعْدِلُ فِى الْقَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ أَمَا وَاللَّهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلاَثٍ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِى دَعْوَةُ سَعْدٍ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِى فِى الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ.
وكذلك ما فعله أهل البحرين
فقد أخرج البغوي من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال: استعمل عمر المغيرة على البحرين فكرهوه وشكوا منه فعزله فخافوا أن يعيده عليهم فجمعوا مائة ألف فأحضرها الدهقان إلى عمر فقال: إن المغيرة اختان هذه فأودعها عندي فدعاه فسأله فقال: كذب إنما كانت مائتي ألف فقال: وما حملك على ذلك؟ قال: كثرة العيال. فسقط في يد الدهقان فحلف وأكد الأيمان أنه لم يودع عنده قليلًا ولا كثيرًا فقال عمر للمغيرة: ما حملك على هذا؟ قال: إنه افترى علي فأردت أن أخزيه.
وفي البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله:
وفيها: حج بالناس عمر بن الخطاب، وكان عماله فيها على البلاد، وهم الذين كانوا في السنة قبلها.
وذكر: أن عمر عزل عمارًا في هذه السنة عن الكوفة اشتكاه أهلها وقالوا: لا يحسن السياسة، فعزله وولى أبا موسى الأشعري، فقال أهل الكوفة: لا نريده، وشكوا من غلامه.
فقال: دعوني حتى أنظر في أمري، وذهب إلى طائفة من المسجد ليفكر من يولي. فنام من الهم، فجاءه المغيرة فجعل يحرسه حتى استيقظ.
فقال له: إن هذا الأمر عظيم يا أمير المؤمنين الذي بلغ بك هذا.
قال: وكيف وأهل الكوفة مائة ألف لا يرضون أمير المؤمنين، ولا يرضى عنهم أمير.
ثم جمع الصحابة واستشارهم هل يولي عليهم قويًا مشددًا أو ضعيفًا مسلمًا؟
فقال له المغيرة بن شعبة: يا أمير المؤمنين، إن القوي قوته لك وللمسلمين وتشديده لنفسه، وأما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وإسلامه لنفسه.
فقال عمر للمغيرة - واستحسن ما قال له: اذهب فقد وليتك الكوفة.
فرده إليها بعد ما كان عزله عنها بسبب ما كان شهد عليه الذين تقدم حدهم بسبب قذفه، والعلم عند الله عز وجل.
فالاعتراض وارد، ولو كان في غير محله، وقديم، وليس جديدا كما يظن كثير من الناس