وأدرك عليٌّ أنَّ حَمْلَ معاوية على البيْعَةِ سِلْمًا غيرُ ممكن، فأخذ يُعِدُّ العُدَّةَ لحمله على البيعة جبرًا باعتباره خارجًا على طاعة الخليفة، وبينما هو يستعد لذلك، جاءتْه أخبارٌ أخرى مفزِعة من مكة تخبره بمَسِير أمِّ المؤمنين عائشةَ وجماعتِها إلى البصرة.
رجع عامل عليّ من الشام دون أن يتمكن من تولِّي الأمر، فكتب عليٌّ إلى معاوية يطالبه بالبيعة، فطلب معاوية مُهْلَةً من الرسول، ولم يكتب جواب رسالته، حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان، أي: في صفر سنة ست وثلاثين، دعا معاوية رجلًا من بني عبس فدفع إليه كتابا مختوما عنوانه:"من معاوية إلى عليٍّ"، ثم أوصاه بما يقول، وسرحه إلى عليّ مع رسوله، فلما دخل المدينة ورفع الكتاب للناس فرأوا عنوانه عَلِمُوا أن معاوية يأبَى البيعةَ، وقال رسوله لعلي:"إني تركتُ قوما لا يرضَوْنَ إلا بالْقَوَدِ، فقال علي: ممن؟ قال: من نفسِك، وتركتُ ستين ألفَ شيْخٍ يبكي تحت قميص عثمان وهو منصوبٌ لهم؛ قد ألبسوه مِنْبَرَ دمشقَ! فقال علي: منِّي يطلبون دَمَ عثمان؟! .. اللهم إني أَبْرَأُ إليك من دَمِ عثمان، نَجَا والله قَتَلَةُ عثمانَ إلا أنْ يشاء الله .. !!"
فخرج الرسول فاعترضه السبئيّة (أتباع عبد الله بن سبأ) مُثِيرُو الفتنةِ يَصيحون: هذا الكلبُ، هذا وافدُ الكلابِ، اقتلوه، فنادى الرجل:"يا آلَ مُضَرَ، فحَمَتْه مُضَرُ، وجعل يقول لهم: إني أحلف بالله ـ جلَّ اسمُه ـ ليَرِدَنَّها عليكم أربعةُ آلاف خصِيٍّ، فانظروا كم الفُحولة والرِّكاب"! والمُضَرِيُّونَ يُسكِتونه فلا يسكت. وجعل يَهتف بهم: لا والله لا يفلح هؤلاء أبدا، فلقد أتاهم ما يُوعدون، وقد حل بهم ما يَحْذَرونَ .. فمازال بهم حتى عرف الذل فيهم. [1]
دارت مراسلاتٌ عديدة بين عليٍّ ومعاوية يطلب الأول من الآخر مبايعتَه بالخلافة، والإذعانَ لأوامره، باعتباره الخليفةَ الشرعيَّ الذي بايعه معظمُ الصحابة في المدينة، في حين يطلب الثاني من الأول القصاصَ من قَتَلَةِ عثمانَ ابنِ عمِّه أولًا باعتباره من أولياء دَمِهِ، وبعد ذلك ينظر في أمر بيعته.
ولم يكن موقفُ عليٍّ من القصاص موقفَ المُعَطِّلِ له، ولكنه كان يودُّ إرْجاءَ إقامةِ حدِّ الله الذي سيُقام حتما ـ حتى تتهيَّأ الظروفُ المناسبة، وتخمدَ نارُ الفتنةِ. ولكن معاوية تمسك بالقصاص أولا، وجعله شرطا لازمًا يسبق البيعة؛ لذا امتنع عن مبايعة عليٍّ، وأبَى خلافتَه؛ لأنه ظن فيه عدم الجدِّية في الانتصار لعثمان من قاتِليه، ومعاوية يرى لنفسه حقًا أصيلًا في القصاص من قَتَلَةِ عثمان؛ لأنه من أوليائه، والله ـ تعالى ـ يقول: (ومَنْ قُتِلَ مظلومًا فقدْ جَعلْنا لِوَلِيِّهِ سُلطانًا فَلا يُسْرِفْ في القتْلِ إنَّه كانَ منصورًا) [الإسراء: 33] . ولم يَرَ في الامتناع عن البيعة خروجًا على الإمام؛ لأنه اعتقد أن بيعة عليٍّ لم تنعقدْ بعدُ؛ حيث لم تكن بإجماع أهل الحَلِّ والعَقْدِ.
(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 18 - 19)