فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 366

الْحَسَنِ بِالْمَدَائِنِ، فَأَعْطَيَاهُ مَا أَرَادَ وَصَالَحَاهُ، ثُمَّ قَامَ الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي النَّاسِ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، إِنَّهُ مِمَّا يُسْخِئُ بنفْسِي عَنْكُمْ ثَلاثٌ: قَتْلُكُمْ أَبِي، وَطَعْنُكُمْ إِيَّايَ، وَانْتِهَابُكُمْ مَتَاعِي، وَدَخَلَ فِي طَاعَةِ مُعَاوِيَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَدَخَلَ الْكُوفَةَ فَبَايَعَهُ النَّاسُ. أخرجه الطبراني في الكبير وهو مرسل حسن [1]

قلت:

وهذا يؤكد أن هؤلاء الثلاثة كانوا على الحق وما سواهم كان على الباطل، بدليل اتفاق الخوارج الذين هم في الأصل قتلة عثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم، على قتل الثلاثة، وهذا من خطط أعداء الإسلام الجهنمية التي يكيدون بها لهذه الأمة الخاتمة

مَلَّ أميرُ المؤمنين عليٌّ أهلَ العراق وسئِم إمارتَه عليهم، حتى صرّح لهم بذلك في كثير من خُطَبِه، وتمنّى من الله الموتَ إذا كان خيرًا له؛ لأن الفتن عظم أمرُها من حوله.

عَنْ عُبَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: مَا يُحْبَسُ أَشْقَاهَا أَنْ يَجِيءَ فَيَقْتُلُنِي، اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ سَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي فَأَرِحْنِي مِنْهُمْ وَأَرِحْهُمْ مِنِّي. أخرجه ابن أبي شيبة (37100) بسند صحيح

وفي سنة أربعين من الهجرة تحقق ما صَبَتْ إليه نفس الإمام؛ إذ اجتمع ثلاثةٌ من الخوارج وخطَّطوا لقتْله وقتل معاوية وعمرو بن العاص، وبيَّتُوا لذلك، وبينما الخليفة الإمام يقترب من باب المسجد، وقيل: بل وهو يتهيأ للصلاة، بعد أن عبر شوارع الكوفة يُوقِظ أهلَها لصلاة الفجر، ويُنادِيهم بصوته الجليل:"الصلاةَ، أيها الناس، الصلاةَ، يرحمكم الله"! اقترب منه في لجّة الظلام واحد من الخوارج اسمُه عبد الرحمن بن مُلْجَم مُنفِّذًا جريمتَه، وكان الإمامُ بلا حرس، فكان اغتياله عملا يسيرا.

ولم تكن الجريمة تتطلب أي جَلَدٍ أو قوة أو بطولة، إنما كانت تتطلب ضميرا ميتا وتفكيرا ضالا، وقلبا أعمى، وهوى مُتَّبَعًا، وإرادةً سَلِيبةً .. !!

وفرغ الناس من صلاة الفجر، وجاءوا إلى أمير المؤمنين مسرعين، وأتوه بقاتلِه ابنِ مُلجم ماثلًا بين يديه، فقال لهم: إن مُتُّ فاقْتُلوه كما قتلني، وإن بقِيتُ رأيتُ فيه رأيي، ونهاهم عن المُثْلة به،

فعن إسماعيل بن راشد، قال: ذكروا أن ابن الحنفية، قال: والله إني لأصلي الليلة التي ضرب علي فيها في المسجد الأعظم، في رجال كثير من أهل المصر (1) يصلون قريبا من السدة، ما هم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة (2) ، فجعل ينادي: أيها الناس، الصلاة، الصلاة، فما أدري: أخرج من السدة فتكلم بهذه الكلمات، أو نظرت إلى بريق السيف، وسمعت قائلا يقول: «الحكم لله لا لك يا علي، ولا لأصحابك» فرأيت سيفا، ثم رأيت ناسا، وسمعت عليا يقول: «لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليه

(1) - انظر البداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 478) فما بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت