فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 366

وتقدم ابنُ بديل إلى أهل الشام وحمل نحو معاوية، فلما انتهى إليه وجده واقفا أمام أصحابه وفي يده سيفان، وحوله كتائبُ أمثالُ الجبال، فلما اقترب ابن بديل تقدم إليه جماعةٌ منهم فقتلوه، وفر أصحابُه منهزمين؛ وأكثرهم جريح ..

ثم إن عليا لما رأى الميمنة قد اجتمعت نزل إلى الناس، فعاتب بعضهم وعذر بعضهم، وحرض الناس وثبتهم، ثم تراجع أهلُ العراق فاجْتمع شملُهم، ودارت رَحى الحرب بينهم، وجالُوا في الشاميين وصالوا، وتبارز الشجعان فقتل خلق كثير من الأعيان من الفريقين، مثل عبيد الله بن عمر وذي الكَلاع من الشاميين، وعمار بن ياسر وهاشم بن عتبة من العراقيين، فخرج عليٌّ في اثني عشر ألفا، وتقدمهم على بغلته، فحمل وحملوا معه حملةَ رجلٍ واحدٍ، فلم يَبْقَ لأهل الشام صف إلا انتقض، وقتلوا كل مَن انْتهَوْا إليه، حتى بلغوا معاوية ..

ثم قَدَّم عليٌّ ابنَه محمدًا في عصابة كثيرة من الناس، فقاتلوا قتالا شديدا، ثم تَبِعه عليٌّ في عصابة أخرى، فحمل بهم، فقُتل في هذا الموطن خلقٌ كثيرٌ من الفريقين لا يعلمُهم إلا الله، وطارتْ أكُفٌّ ومعاصِمُ ورءوس عن كواهلها ـ رحِمَهم الله تعالى وغَفَرَ لهم.

وكان هذا الحال المؤلم أهم دافع إلى وقف القتال والبحث عن الصلح، حقنا لدماء المسلمين الكثيرة التي سالت في هذه المعركة المشئومة.

مقتل عمار رضي الله عنه[1]

ذاق عمار رضي الله عنه طعم الإيمان مبكرا، حينما أسلم في أيام الإسلام الأولى في مكة، وتحمل أذى السادة من قريش .. وقد كانت أبرز سمات عمار أنه يعمل بالحق متحمسا له بقوة وبسالة، مستعدا بالتضحية من أجله بكل ما يملِك ..

كان عمار في معركة صفين يقاتل في جيش عليٍّ، وهو على يقين من أنه على الحق، فكان يقول والحربة في يده:"والذي نفسي بيده، لقد قاتلْت بهذه الراية مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاث مرات وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات (ورق الأغصان) هَجَر لعرفتُ أن مصلحينا على الحق، وأنهم على الضلالة".

وسئل عمار عن قتاله مع عليٍّ؛ رأيًا رأيتُموه؟ فإن الرأي يصيب ويخطئ، أو عهدا عهده إليكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئا لم يعهدْه إلى الناس كافة"."

وأُتي عمار في المعركة بشربة لبن فضحك، وقال:"إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لي: آخر شرابٍ أشربُه لبنٌ حين أموت"، وقال لي:"تقتلُك الفئةُ الباغيةُ". وحمل عليهم وقاتلهم قتالا شديدا، وجاء إلى هاشم بن عتبة، وهو صاحب راية عليٍّ، فقال: يا هاشم تقدمْ، الجنةُ تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسِنَّة، وقد فتحت أبواب الجنة، وتزيَّنت الحورُ العِينُ:

اليومَ ألْقى الأحبه ... محمدا وحِزْبَه

(1) - البداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 387)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت