واقتنع الخليفة من هذه التجربة بأنه لم يَعُدْ من حقه أن يتنازل عن ذرةٍ من هيبة الدولة وسلطانها، ومهما يكن هناك من مآخذ؛ فإن إقرار هذا السلطان هو الواجب الأول والأهم أمام الفوضى الجارفة، التي لم تتمثل في التهجم على شخصِ الخليفة، ومجابهته بقبيح القولِ وفاحشِ السِّبابِ فحسْب، بل تمثلت في تهديد الدولة بقوة السلاح .. !!
وعندها تزدحم تمامًا صور الثبات الباهر للخليفة، وناهيك عن مواقفه العظيمة!!
ومع أن صوتَ الفتنة كاد أن يخمد أو يهدأ كثيرًا بعد لقاء الخليفة مع الثائرين، إلا أنهم اتفقوا على أن يعودوا إلى المدينة مع الحجاج في شوال من سنة 35 هـ؛ فعادوا لا ليناقشوا عثمانَ رضي الله عنه؛ ولكن لحصارِه والاعتداءِ عليه وتَنْحِيَتِهِ ..
وتمضي الأحداثُ مسرعةً، لا ترحم الناسَ ولو بقليل من البطء؛ فلم تمض ثلاثة أشهر على رجوع الثائرين من المدينة، حتى أعد المنْدَسُّون وسط الصفوف وأصحابُ الأيادي المشبوهة ـ للعودة.
وفي شهر شوال سنة خمس وثلاثين كانت عودتُهم في صفة الحجيج، حتى تلاقى حول المدينة الثُوَّارُ من الأمصار، وعسكروا خارجها، فلما سمع أهلُ المدينة بذلك لم يأذنوا لهم بدخولها، وعسكر الصحابة ليمنعوهم من ذلك، في محاولة لمنع انتشار الحريق، وأرسل كبارُهم أولادَهم ليكونوا قريبين من الخليفة .. فخرجت وفود من الثوار المنحرفين ليكلموا كبار الصحابة في دخول المدينة، فرفضوا جميعًا دخولَهم وزجروهم؛ فلما يَئِسُوا من دخولِها تظاهروا بالانصراف عنها وأنهم راجعون إلى بلدانهم، وبدأوا في الرحيل حتى اطمأن أهل المدينة فانصرفت جموعُهم، وسار الثوار أيامًا راجعين ثم كرّوا عائدين إلى المدينة، ودخلوها على حين غفلةٍ من أهلها، وحاصروا دار عثمان، وسألوا الخليفة عن أمر الكتاب المزعوم، الذي برع ابنُ سبأ وأتباعُه في تَلْفِيقِه، واتهموا الخليفة بأنه أرسله إلى والي مصر يأمر فيه بقتلهم. وبالرغم من أنه تبرأ من ذلك، فإنهم أصروا على المواجهة.
وبدأ الحصار وعثمان يخرج من داره فيصلي بالناس، ويصلون هم وراءَه، ويَغْشَى مَنْ يشاء وهم في عينِه أَدَقُّ من التراب، وظل يصلي بالناس ثلاثين يوما حتى شددوا عليه الحصار ومنعوه من الصلاة في المسجد، وذكر سيف بن عمر: أن عثمان بعد أن صلى بالناس يوم الجمعة، صعد المنبر فخطبهم أيضًا فقال في خطبته: يا هؤلاء الغرباء! الله الله، فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فامحوا الخطأ بالصواب، فإن الله لا يمحو السيء إلا بالحسن.
فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك، فأخذه حُكَيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: إنه في الكتاب.
فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي مريرة فأقعده.
وقال: يا نطع، وثار القوم بأجمعهم، فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيًا عليه، فاحتمل وأدخل داره.