حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ عليكم نبيكم، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله. [1]
وبالرغم من أن عليا أبى أن يوصي بالخلافة من بعده إلى ابنه الحسن أو غيره، إلا أن أهل العراق بايعوا الحسن بالخلافة بعد موت علي ـ رضي الله عنه.
قُتِل عليٍّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ولم يُوصِ لأحد من بعده، فاتّجه أهلُ العراق إلى الحسن بن عليٍّ، فبايعوه، وقام أهلُ الشام فبايعوا معاوية بِبَيْتِ المقْدس.
ثم سار الحسن في جنود العراق عن غير حب منه ولا إرادة لذلك، وسار معاوية في أهل الشام، فلما عسكر الحسنُ بإزاء جيش معاوية لاحت بوادر قتال، فكره الحسن حفيد نبي الرحمةِ العودة إلى إراقة دماء المسلمين بأيدي المسلمين، وقام في أهل العراق خطيبا يمهد لأمر الصلح، فلما رأى منه أهل العراق ذلك تطاولوا عليه، لكن نسل بيت النبوة أدرك أنه لابد من الإسراع بأمر الصلح وحقن دماء المسلمين، لإصلاح حال الأمة.
فلما تقابل الفريقان عَرَضَ معاوية على الحسن الصلحَ، وتبادل الحسن ومعاوية الرسل، وانتهى الأمر إلى اتفاق الفريقين، فأعْلَمَ الحسنُ أصحابه بأمر الصلح وتنازُلِه عن الخلافة في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين من الهجرة.
ورجع الحسنُ إلى الكوفة، والْتَقى فيها بمعاوية في غرة جمادى الأولى من هذه السنة، وبايعه الحسن والحسين وأهل العراق، وخطب الحسن في الناس، وتسلم بذلك معاوية بلادَ العراق، وأخذ يراوض قيسَ بن سعد على البيعة حتى بايعه، وترحّل الحسن بن علي ومعه إخوتُه وبقيةُ آلِ البيت المطهرين ـ عليهم رضوان الله ـ من أرض العراق إلى المدينة المنورة.
وجعل كلّما مرَّ بحيٍّ من شِيعتهم يلومُونه على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية، وهو في ذلك البارّ الراشد الممدوح، وليس يَجد في صدره حرجًا ولا تلوُّمًا ولا نَدَما، بل هو راضٍ بذلك مستبشر به.
وما فعله الحسَنُ ابن بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو عين ما أنبأ به النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أن الله مصلح بابنه ذاك بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فمدحه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قبل على صنيعه هذا، ورغبته عن سلطان الدنيا ومتاعها، وحَقْنِه دماء الأمة المسلمة.
وقد استبشر المسلمون خيرًا بتلك المصالحة، وترك صنيعُ الحسن صدى طيبا في نفوس المسلمين، وأثنى عليه كثير من علماء أهل السنة، ورأوا فيما فعل تحقيقا لبشرى جده النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم.
وحمد المسلمون ربَّهم على كشف غمة الفتنة، وأصبح معاوية خليفةً للأمة الإسلامية كلِّها، واستوثقت له الممالك شرقا وغربا، وبُعدا وقُربا، وسمَّى المسلمون هذا العام عامَ الجماعةِ؛ لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد فرقة مُرّة، ونُقلت عاصمة
(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 150) والبداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 481)