في قوله تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 147] .
ولما بلغ الزبير مقتل عثمان - وكان قد خرج من المدينة - قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ترحم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا.
فقال: تبًا لهم، ثم تلا قوله تعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَاخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس: 49 - 50] .
وبلغ عليًا قتله فترحم عليه. وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر: 16] .
ولما بلغ سعد بن أبي وقاص قتل عثمان استغفر له وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103] ثم قال سعد: اللهم اندمهم ثم خذهم.
وقد أقسم بعض السلف بالله: أنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولًا. رواه ابن جرير.
وهكذا ينبغي أن يكون لوجوه منها: دعوة سعد المستجابة، كما ثبت في الحديث الصحيح، وقال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن.
بعضُ الناس مرضَى النفوس يَفتحون أبواب الفتن على الخَلْقِ، ويموتون وتبقى الفتنُ يَصْلَى عبادُ اللهِ لهيبَها المُحرِقَ؛ وقد نَجِدُ هؤلاء المرضَى يُطوِّحون بسيوف التخويف في وجوه المسالمين في المواقف الحرجة، ظانِّينَ أنَّ ما يفعلونه بطولةٌ لا نظير لها، مع أنهم بذلك يفتحون أبوابا من الجحيم على أنفسهم وعلى الخلق، ويبوءون بإثمهم وآثام الخلق، مَثَلُهم في ذلك كَمَثَلِ الأشْقَى الذي حَمَلَ على ناقة النبي الكريم صالح ـ عليه السلام ـ حتى قتلها، فأهلكه الله هو ومَنْ كفر معه [1] .
(1) - قال تعالى في سورة الشمس: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15) }
لقدكان الطغيان وحده هو سبب التكذيب. وتمثل هذا الطغيان في انبعاث أشقاها. وهو الذي عقر الناقة. وهو أشدها شقاء وأكثرها تعاسة بما ارتكب من الإثم. وقد حذرهم رسول الله قبل الإقدام على الفعلة فقال لهم. احذروا أن تمسوا ناقة الله أو أن تمسوا الماء الذي جعل لها يومًا ولهم يومًا كما اشترط عليهم عند ما طلبوا منه آية فجعل الله هذه الناقة آية ولا بد أنه كان لها شأن خاص لا نخوض في تفصيلاته، لأن الله لم يقل لنا عنه شيئًا فكذبوا النذير فعقروا الناقة.
والذي عقرها هو هذا الأشقى. ولكنهم جميعًا حملوا التبعة وعُدوا أنهم عقروها، لأنهم لم يضربوا على يده، بل استحسنوا فعلته. وهذا مبدأ من مبادئ الإسلام الرئيسية في التكافل في التبعة الاجتماعية في الحياة الدنيا. لا يتعارض مع التبعة الفردية في الجزاء الأخروي حيث لا تزر وازرة وزر أخرى. على أنه من الوزر إهمال التناصح والتكافل والحض على البر والأخذ على يد البغي والشر.
عندئذ تتحرك يد القدرة لتبطش البطشة الكبرى: {فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها} . .
والدمدمة الغضب وما يتبعه من تنكيل. واللفظ ذاته. . {دمدم} يوحي بما وراءه، ويصور معناه بجرسه، ويكاد يرسم مشهدًا مروعًا مخيفًا! وقد سوى الله أرضهم عاليها بسافلها، وهو المشهد الذي يرتسم بعد الدمار العنيف الشديد. .
{ولا يخاف عقباها} . . سبحانه وتعالى. . ومن ذا يخاف؟ وماذا يخاف؟ وأنى يخاف؟ إنما يراد من هذا التعبير لازمه المفهوم منه. فالذي لا يخاف عاقبة ما يفعل، يبلغ غاية البطش حين يبطش. وكذلك بطش الله كان: إن بطش ربك لشديد. فهو إيقاع يراد إيحاؤه وظله في النفوس. .
وهكذا ترتبط حقيقة النفس البشرية بحقائق هذا الوجود الكبيرة، ومشاهدة الثابتة، كما ترتبط بهذه وتلك سنة الله في أخذ المكذبين والطغاة، في حدود التقدير الحكيم الذي يجعل لكل شيء أجلًا، ولكل حادث موعدًا، ولكل أمر غاية، ولكل قدر حكمة، وهو رب النفس والكون والقدر جميعًا. . الظلال