فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 366

وسلك عليٌّ من صِفّين طريقَ البرِّ على شاطئ الفرات حتى انتهى إلى هِيت، ثم جاوز النخيلة، فلما دخل الكوفة سمع رجلا يقول: واللهِ ما صنع عليٌّ شيئا، ذهب ثم انصرف في غير شيء!

فقال عليّ:"لَلذين فارقْناهم خيرٌ من هؤلاء".

ثم مضى ـ رضي الله عنه ـ فجعل يذكر الله ـ عز وجل ـ حتى دخل دار الإمارة في الكوفة، وقبلها حين قارب دخول الكوفة، اعتزله من جيشه قريبٌ من اثني عشر ألفًا، وهم الخوارج، ورفضوا أن يُساكِنُوه في بلده، ونزلوا بمكان يقال له حَرُوراء، وأنكروا عليه أشياءَ يزعمون أنه أخطأ فيها، فبعث إليهم عبد الله بن عباس، فناظرهم فرجَع أكثرُهم، وبقي بعضهم على الخروج، وظهر أمرُهم واشتدَّ، وأفسدوا في الأرض، وتعاهدوا فيما بينهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام على الناس في ذلك.

وكانوا يُعلنون عن آرائهم ويَصيحون صيحتَهم: لا حُكْمَ إلا لله، فكان الإمام علي يقول:"كلمة حق أُرِيدَ بها باطلٌ". ثم جعلوا يعرِّضون به في كلامهم، ويُسْمِعُونه شتمًا.

ولما بعث عليّ أبا موسى ومَنْ معه من الجيش إلى دُومَة الجَنْدَل في التحكيم، اشتد أمرُ الخوارج، وبالغوا في النكير على عليٍّ وصرَّحوا بكفره، وفَشَا فيهم ذلك وجاهروا به الناسَ، وتعرضوا لعليٍّ أثناء خُطبة له، وأسمعوه السبّ والشتم والتعريض بآيات من القرآن، فصبر على أذاهم وقال:"إن لكم عندنا ثلاثا: لا نمنعُكم صلاةً في هذا المسجد، ولا نمنعكم نصيبَكم من هذا الفَيْءِ ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلُكم حتى تقاتلونا".

ولم يكتفوا بذلك حتى اجتمعوا في منزل أحدهم لاختيار أمير لهم، ثم اجتمعوا بعد ذلك للترتيب لخروجهم من الكوفة ليعتزلوا في مكان آخر؛ فخرجوا إلى موضع يقال له: النهروان، فسار إليهم أمير المؤمنين، ودارتْ موقعةُ النَّهروان على رقاب الخوارج.

عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِىِّ قَالَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهَا جُلُوسٌ مَرْجِعَهُ مِنَ الْعِرَاقِ لَيَالِىَ قُتِلَ عَلِىٌّ فَقَالَتْ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ هَلْ أَنْتَ صَادِقِى عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ تُحَدِّثُنِى عَنْ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِىٌّ. قَالَ وَمَا لِى لاَ أَصْدُقُكِ قَالَتْ فَحَدِّثْنِى عَنْ قِصَّتِهِمْ. قَالَ فَإِنَّ عَلِيًّا لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَمَ الْحَكَمَانِ خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلاَفٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا حَرُورَاءُ مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ وَإِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا انْسَلَخْتَ مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاسْمٍ سَمَّاكَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ثُمَّ انْطَلَقْتَ فَحَكَّمْتَ فِى دِينِ اللَّهِ فَلاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ تَعَالَى. فَلَمَّا أَنْ بَلَغ عَلِيًّا مَا عَتَبُوا عَلَيْهِ وَفَارَقُوهُ عَلَيْهِ فَأَمَرَ مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ أَنْ لاَ يَدْخُلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلاَّ رَجُلٌ قَدْ حَمَلَ الْقُرْآنَ. فَلَمَّا أَنِ امْتَلأَتِ الدَّارُ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ دَعَا بِمُصْحَفٍ إِمَامٍ عَظِيمٍ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَصُكُّهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ أَيُّهَا الْمُصْحَفُ حَدِّثِ النَّاسَ. فَنَادَاهُ النَّاسُ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَسْأَلُ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ فِى وَرَقٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت