وحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من شرورها، فعَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لَهُ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» فَقَالَ «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» أخرجه البخاري ومسلم. لأنها تصيب قدرة العقلاء أنفسهم بالشلل تجاه ما يرون ويسمعون، فيعجزون وهم أصحاب العقل والحِلم عن تمييز الحق من الباطل والصواب من الخطأ، وهذا موت محقق للمجتمع كله لو لم تتداركه عناية الله!
وقد شملت الفتنة جزءا من خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وجميع خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى تنازل الحسن بن علي لمعاوية بن أبي سفيان عن الخلافة في عام الجماعة، فاستقرت الأمور، وهدأت الفتنة، وإن تركت جراحًا عميقًة، وآثارًا ونتائج سيئة.
ولم يكن هذا الحادث الضخم - أي الفتنة - منزوعا من سياق تاريخي غريب عنه تماما، بل كانت له جذوره ومقدماته وأسبابه وبواعثه فيما سبقه من أحداث، كما تهيأ له المناخ المناسب في الطبيعة القاسية لكثير من العرب البدو، الذين دخلوا في الإسلام - بعد انتصاره على قريش واليهود -مع الداخلين، دون أن تُتاح الفرصة الكافية لتأديبهم بأدب الإسلام وخُلقه.
حين يرسم القرآن الكريم صورة لشيء ما، فإنه يضع عليها سمة الخلود؛ ذلك لأنه كتاب خالد للأجيال كلها إلى يوم القيامة، لذا تبدو الصورة القرآنية عامة َالتقاسيم، لا تتعرض للتفاصيل إلا في مساحة لا تمس خلود النموذج.
وقد تحدث القرآن عن الفتنة، وتناولها بعدة مفاهيم:
منها الاختبار والامتحان، في مثل قول الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (35) سورة الأنبياء.
وبمعنى صرف المؤمنين عن دينهم بالإيذاء أو غيره، كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (217) سورة البقرة وغير ذلك.
إلا أن المعنى القرآني للفتنة، الذي يُطرح في سياق الحديث عن الأحداث التي شهدها آخر عصر الراشدين - هذا المعنى هو الوارد في قول الله تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (25) سورة الأنفال، حيث تعنى الفتنةُ ثوران النزاعات بين طوائف المجتمع، واشتداد الخلافات فيه، حتى يبدو الحق والباطل غير متمايزين، بل متداخلين لدرجة اختفاء المعالم الفاصلة بينهما.
ولا يتوقف النزاع في الفتنة عند حدود الخلاف في الرأي، بل يتجاوزه بمراحل إلى سفك الدماء، وتخريب المعمور من البلاد.