فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 366

الحسن ومحمدًا وابن الزبير وأشباهًا لهم؛ فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم؛ وثاب إليهم ناس كثير، ولزم عثمان الدار. [1]

في ذات يوم .. وقد ضاقت الدنيا بصموده، امتطَتْ روحُه زورقَ الأبَدِيَّةِ، مُبْحِرةً إلى ربها الودودِ المجيدِ، فوق دمائه الغالية الزكيَّة .. !!

ألا بُورك الجسدُ المُثْخَنُ .. وبُوركت روحُه الناجية.

في تلك الأيام سارت المجابهة القاسيةُ مع الثوار المنحرفين حتى بلغت هذا المدَى، ولم يعد هناك بُدٌّ من أن يتهيأ مسرح الأحداث لمشهدِ الختام.

ها هم المنحرفون خارجَ الدار وحوالَيْها من كل جانب، صفوفٌ عريضةٌ مدجَّجةٌ بالسلاح، تدفعهم بعُنْفٍ تلك الأنباءُ باقتراب جيوشِ الأمصار من المدينة .. وعلى أبواب الدار جمعٌ كريم من الصحابة، خَفُّوا بسلاحهم للدفاع عن الخليفة.

وفي داخل الدار جَمْعٌ آخرُ من أبناء الصحابة وشبابِ المسلمين قريبٌ من الخليفة.

أما الخليفة، فقد طلع عليه صباحُ ذلك اليوم وهو في عالم آخر، لا يكاد يَعْنِيه شيءٌ من كل هذه الدنيا، إذْ تَلَقَّى دعوةً إلى الجَنَّة: إنها لرؤيا حقٍّ رأى فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعوه ليُفطر معه .. فليس أمامه سِوى وقتٍ قصيرٍ لكي يتهيأ لموعِد المصطفَى ورحلة الخلود .. !!

عَنْ امْرَأَةِ عُثْمَانَ، قَالَتْ: أُغْفِيَ عُثْمَان، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ، قَالَ: إنَّ الْقَوْمَ يَقْتُلُونَنِي، قُلْت: كَلًّا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، قَالَ: قَالَوا: أَفْطِرْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ، أَوْ قَالَوا: إنَّك تُفْطِرُ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ.

و عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُثْمَانَ أَصْبَحَ يُحَدِّثُ النَّاسَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: يَا عُثْمَان أَفْطِرْ عِنْدَنَا، فَأَصْبَحَ وَقُتِلَ مِنْ يَوْمِهِ. أخرجهما ابن أبي شيبة في مصنفه وهو صحيح.

فأصبح عثمان ذلك اليومَ صائمًا .. وترامَى إلى سمعه ضجيجٌ شديد خارجَ الدار، فقد أقبل الصحابة في جمعٍ من أهل المدينة ليدافعوا عنه، وقد اشتبكوا مع المتمردين وراحوا يحاولون إبعادَهم عن دار الخليفة.

فخرج عثمانُ إليهم، ودعا جميعَ الذين في داره، وأمامَها، ممن يحملون السلاح دفاعا عنه أنْ يُلقُوا سلاحَهم، ويُغادروا الدارَ محمودين، محفوظين بحفظ الله. لكنهم أبَوْا جميعا أنْ يتركوا مواقعَهم حولَه، بَيْدَ أن أمر الخليفة وإلحاحَه، ظلا يُهيبان بكلِّ حاملِ سلاحٍ أن يُلقِيَ سلاحَه .."إنَّ أعظمَكم عني غناءً، رجلٌ كفَّ نفسَه وسلاحَه"،"أناشدُكم اللهَ ألا تُهْرِقُوا بسببي دَمًا".

عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: فلمّا بويع الناس جاء السابق فقدم بالسلامة، فأخبرهم من الموسم أنهم يريدون جميعًا المصريين وأشياعهم، وأنهم يريدون أن يجمعوا ذلك إلى حجّهم؛ فلمّا أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور أهل الأمصار، أعلقهم الشيطان، وقالوا: لا يخرجنا مما وقعنا فيه إلاّ قتل هذا الرجل؛ فيشتغل بذلك الناس عنّا، ولم يبق خصلة يرجون بها النجداة إلا قتله. فراموا الباب؛

(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 492)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت