إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها (أي: أقارب زوجها) ، وإنه عندي ـ على معتبتي (أي مع عتابي له) من الأخيار.
وقال علي: يا أيها الناس، صدقَتْ والله وبَرّتْ، ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها لزوجةُ نبيِّكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الدنيا والآخرة.
وخرجت يوم السبت غرة رجب سنة ست وثلاثين، وشيّعها عليّ، وأخرج أبناءه معها يوما. فانصرفت إلى مكة وأقامت بها إلى الحج، ثم رجعت إلى المدينة، وكان عُمرها ـ رضي الله عنها ـ وقتئذٍ خمسًا وأربعين سنة.
علي رضي الله عنه يأخذ البيعة من أهل البصرة [1]
لما فرغ علي من أمر الجمل بايعه الأحنفُ بن قيس في بني سعد ـ وكانوا قد اعتزلوا القتال وخرجوا من البصرة، ثم عادوا ودخلوها جميعا.
وبعث عليّ إلى الناس أن اخرجوا للبيعة، فبايعه أهل البصرة حتى الجرحى والمستأمنةُ، كما بايعه مروانُ، الذي خرج إلى المدينة ولم يتركها حتى فُرِغ من صِفِّين. وكان عليّ قد بايع أهل البصرة على راياتهم. ولما فرغ من بيعتهم نظر في بيت المال، فقسم ما فيه على مَنْ شهد معه الوقعة، وكتب إلى عُماله على الأمصار بما حدث في وقعة الجمل، وأمّر عبد الله بن عباس على البصرة.
بعدما انتهت معركة الجمل ودخل عليّ البصرة، وأخذ البيعة من أهلها، وشيّع أم المؤمنين عائشة إلى مكة ـ سار من البصرة إلى الكوفة، فدخلَها يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلةً خَلَتْ من رجب سنة ست وثلاثين من الهجرة، واتخذها مقرًا له، فقيل له: انزلْ بالقصر الأبيض، فقال: لا، إن عمر بن الخطاب كان يكره نزولَه، فأنا أكرهه لذلك .. !! [2]
فنزل في موضع آخر، وصلى في الجامع الأعظم ركعتين، ثم خطب الناسَ فحضَّهم على الخير، ونهاهم عن الشر، وامتدح أهلَ الكوفة.
ولما جاءت عليه أولُ جمعة خطب فيهم وذكَّرهم بالآخرة، ثم بعث إلى جرير بن عبد الله، وكان على هَمَذان من زمان عثمان، وإلى الأشعث بن قيس، وهو على نيابة أذْرَبِيجَان من زمان عثمان ـ بعث إليهما أنْ يأخذا البَيْعةَ ممن هناك من الرّعايا، ثم يُقْبلا إليه، ففعلا ذلك.
وأرسل أميرُ المؤمنين جريرَ بن عبد الله إلى معاوية بدمشق، يدعوه إلى طاعته، فجمع معاوية رؤساءَ الصحابة عنده وقادةَ الجيوش وأعيانَ أهل الشام، واستشارهم فيما يطلب عليّ، فقالوا: لا نبايعُه حتى يَقتل قَتَلَةَ عثمان، أو يسلّمهم إلينا.
ورجع جرير إلى الكوفة، وأخبر أميرَ المؤمنين بما قالوا، فخرج عليٌّ من الكوفة عازما على الدخول إلى الشام، فعسكر بالنخيلة، وقدم عليه عبدُ الله بن عباس بمن
(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 44)
(2) - البداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 365)