لا ريب أن الاجتهاد السياسي لعثمان رضي الله عنه كان يتوخى تهدئة الأوضاع في الكوفة، والإقلال من خطر الخلل الاجتماعي بها، لكن نجاحه في ذلك بدا محدودا، إذ وجد الذين لا سابقة لهم والطارئون على الكوفة والأعرابُ أنه ليست لهم مكانة أدبية ولا مادية في المجتمع، وإنما ذلك لأهل السابقة والفضل، فأخذوا يعيبون التفضيل، ويجعلونه فجوة، وهم يخفون ذلك ولا يكادون يظهرونه؛ لأنه لا حجة لهم، ولو أعلنوه لثار الناس عليهم؛ فكان إذا لحق بالكوفة لاحِقٌ من أعرابيٍّ أو عبدٍ محرَّرٍ، أعجبه كلامهم، وانضم إليهم، حتى قويت شوكتهم، وظلوا على احتجاجهم على عثمان وولاته، يثيرون من حولهم الإشاعات، وكانوا في زيادة يوما بعد يوم، والناس في نقصان حتى غلب الشرُّ، وحدث التمرد بالكوفة.
وزاد من انتشار التمرد أن عثمان رضي الله عنه لما اقترح على الصحابة أن يشتروا أرض العراق بما لهم من أرض وأسهم بالمدينة وغيرها من أرض الجزيرة العربية، محاولة منه لزيادة عدد الصحابة بالعراق ليوازن الاتجاه القَبَلِيَّ بها، حدث ما لم يكن متوقعا، فقد التف رجال القبائل حول هؤلاء الصحابة، وجعلوا منهم مراكز قوى يتطلعون بها إلى مركز الخلافة ... أضف إلى ذلك أن نظام العطاء الذي سنه عمر رضي الله عنه كان سببا في زيادة تذمر القبائل في العراق؛ إذ إنه رتب الناس في العطاء بحسب قرابتهم من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسابقتهم في الدين، وهؤلاء جميعا من قريش؛ مما أدى إلى تفضيل قريش في العطاء، فكان أن نقمت القبائلُ على قريش استئثارَها بالفيء وكثرةَ الأموالِ بأيديها.
وذلك لعدم فهمهم للدين الحنيف، ونسوا قول الله تعالى في تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (10) سورة الحديد
كان إنشاء الأسطول البحري الإسلامي الأولِ واحدا من إنجازات عهد عثمان بن عفان الكبيرة، وها هو الأسطول يخرج في أولى مهامه الحربية، يشترك فيه جنود المسلمين من مصر والشام، للاشتباك مع الأسطول الروماني الذي دانت له السيطرة في البحر المتوسط أو بحر الروم زمنا طويلا ..
واحتفل البحر بالأسطول الإسلامي بمنظره المهيب في معركة ذات الصواري، غير أن نفوسا تلوثت بالدنيا وبالحقد على المسلمين أبت إلا أن يشتمل العُرس على مقدمات لحزن طويل، فمحمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر شاركا في معركة ذات الصواري سنة إحدى وثلاثين مع جيش عبد الله بن سعد بن أبي السرح، الذي خرج من مصر، فأخذا يبثان في الناس أكاذيب وأفكارا ضالة، تزعم أن عثمان رضي الله عنه غيّر وبدل وخالف أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وأنَّ دم عثمانَ حلالٌ.