ثم حملا هو وهاشم فقُتلا ـ رحمهما الله تعالى ـ وذاع خبرُ مقتل عمار في أهل الشام، وكان له وقْعٌ وأثرٌ مثبِّط لجُنْدِ معاوية، استطاع أن يتغلب عليه بحنكته السياسية.
امتد القتال العنيف والشامل في صفين إلى ضحى الجمعة، فلما رأى عمرو بن العاص رضي الله عنه أنَّ أمر أهل العراق قد اشتدَّ، خاف على القوم الهلاك؛ فإنَّ كلا الفريقين صابر للآخر، والناس يتفانَوْن، فقال لمعاوية: ندعوهم لكتاب الله أن يكون حَكَمًا بيننا وبينهم. فأمر معاوية برفع المصاحف على أسِنَّة الرماح، ونادى المنادي: هذا كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم، مَنْ لِثُغور أهل الشام بعد أهل الشام! مَنْ لِثُغور أهل العراق بعد أهل العراق!! فلما رأى الناس المصاحف قد رُفعت قالوا: نجيب إلى كتاب الله عز وجل وننيب (أي نرجع) إليه.
وكان ممن دعا إلى ذلك ساداتٌ من الشاميين، فقام عبد الله بن عمرو بن العاص في أهل العراق، فدعاهم إلى الموادعة والكفِّ وترك القتال والائتمارِ بما في القرآن، وذلك عن أمر معاوية له.
وأرسل رجل إلى عليٍّ بذلك، فقال عليٌّ:"نعم، أنا أوْلى بذلك، بيننا وبينكم كتابُ الله". فجاءه السبئيَّة يعترضون على الصلح ويريدون القتال؛ ولكنه أرسل الأشعث بن قيس إلى معاوية ليتحرَّى الأمرَ، فأتاه فقال: يا معاوية، لأيِّ شيءٍ رفعتم هذه المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله ـ عز وجل ـ به في كتابه، تبعثون منكم رجلا ترضونه، ونبعث منا رجلا، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يَعْدُوانه، ثم نتبع ما اتفقا عليه، فقال له الأشعث بن قيس: هذا الحق، فانْصرفَ إلى عليّ، فأخبره بالذي قال معاوية؛ فقال الناس: فإنَّا قد رضينا وقبِلْنا، فقال أهل الشام: فإنا قد اخترنا عمرو بن العاص. واختار أهل العراق أبا موسى الأشعري ..
فتفرق أهل صِفّين حين حُكِّمَ الحَكَمَان، وكُتب في ذلك كتاب، واشترطا أن يرفعا ما رفع القرآن، ويخفضا ما خفضَ القرآنُ، وأن يختارا لأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم، وأنهما يجتمعان بدُومة الجندل، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذْرُح، وكان ذلك لثلاث عشرة ليلةً خلَتْ من صفر سنة سبع وثلاثين من الهجرة.
وخرج الأشعث بن قيس بذلك الكتاب، يقرؤه ويعرضه على الطائفتين، ثم شرع الناس في دفْن قتلاهم وإطلاق الأسرى.
عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كُنْت إلَى جَنْبِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِصِفِّينَ، وَرُكْبَتِي تَمَسُّ رُكْبَتَهُ، فَقَالَ: رَجُلٌ: كَفَرَ أَهْلُ الشَّامِ، فَقَالَ: عَمَّارٌ: َلاَ تَقُولُوا ذَلِكَ نَبِيُّنَا وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ، وَقِبْلَتُنَا وَقِبْلَتُهُمْ وَاحِدَةٌ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ مَفْتُونُونَ جَارُوا، عَنِ الْحَقِّ، فَحَقَّ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يَرْجِعُوا إلَيْهِ.
(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 100 - 105) والبداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 397)