على هَوْدَجِ أم المؤمنين عائشة ورمَوْه بالنبال، وأشعلوا القتال حول الجمل، فتحركت حميَّةُ جيشِ البصرة لحماية حرم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاحْتَدَمَ القتال حول الجمل.
كان أمير المؤمنين عليّ ينادى في الناس:"ألا كُفُّوا، ألا كُفُّوا، لا شيء"، ولا أحد يسمع له، حتى أخذ مصحفا وطاف بين أصحابه، وقال: مَنْ يأخذُ هذا المصحفَ، يدعوهم إلى ما فيه وهو مقتول؟ فقام إليه فتى من أهل الكوفة، فأعرض علي عنه، وكرر ذلك، فإذا هو نفسُ الفتى: مسلمُ بن عبد الله، فدفع إليه المصحف، وأرسله إليهم ليدعوهم إلى ما فيه، فرشَقوه بالسهام فقتلوه، فكان أول مَنْ قُتل بين يدي أمير المؤمنين.
وهكذا كان مراد الصحابة هو الصلح ونبذ الحربِ والشقاقِ، وكان قصد السَّبَئِيّة هو إنشاب القتال وإشاعة الفتنة بين المسلمين، ووَاد كل محاولة لإخماد جذوتها، فانتصر الهدم والتخريب على البناء والإصلاح!
كانت أم المؤمنين في معركة الجمل محاطةً بجماعة من أهل الشجاعة والبصائر، فكان لا يأخذ أحدٌ بزمام الجمل إلا حمل الراية واللواء لا يريد تَرْكَها، وكان لا يأخذ بالزمام إلا رجل معروف عند المحيطين بالجمل فينتسب إليها: أنا فلان بن فلان.
واشتد سعير القتال حول الجمل، حتى بَدَا الموتُ كاشفا وجهَه للناس، وحمى الشجعانُ عائشة بقوة منقطعة النظير، وما قصد أحدٌ الجملَ من أصحاب عليٍّ إلا قُتِل، أو أفلت ثم لم يَعُدْ.
فكان يقاتل عن يسارها قبيلة الأزْدِ، وعن يمينها بكر بن وائل؛ فاقتتلوا أشدَّ من قتالهم قبل ذلك، وأقبلت كتيبة من بني ناجية كانت تقاتل بين يديْها فجالدوا جلادًا يَهرب منه الشجاع، ثم أطافت بها بنو ضبّة، حتى إذا كثر القتل فيهم خالطهم بنو عديّ، وكثروا حولها، فقالت أم المؤمنين: مازال رأس الجمل معتدلا حتى قُتِلت بنو ضبّة حولي، فأقاموا رأس الجمل .. حتى قُتِل منهم على الخِطَام أربعون رجلا.
ولما كَثُر القتل والجراحات في العسكريْن جميعا وظهر ذلك، قصدوا الجملَ حتى قتلوه، وانتهت المعركة بإحداث صدع نفسي هائل للمسلمين لا يمكن معه أن نقول: انتصر فلان وهُزم فلان، وإن كان التفوق الحربي قد جاء في صف علي بن أبي طالب؛ الذي أمر بدفن القتلى من الطرفين والصلاة عليهم، وأحسن معاملة إخوانِه من الطرف المنهزم؛ فحرَّمَ سَبْيَهم وأخْذَ أموالِهم.
استشهاد الزبير رضي الله عنه [2]
إنه ابنُ عمَّة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأحدُ مَنْ بكَّروا بالدخول في الإسلام، وشهدوا نمو الإسلام واتساع سلطانه منذ كان نبْتةً صغيرة إلى أنْ أصبح دولة قويةً لها السلطان والغلَبة. وكان للزبير نصيب وافر من الجهاد في سبيل الله حتى عَلَتْ راية الدين،
(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 55)
(2) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 45)