كان الصحابة من المهاجرين والأنصار ـ رضي الله عنهم ـ يرون أنهم شركاء للخليفة في المسئولية وحماية المجتمع من الشرور والفتن، لذا شاركوا في محاولات تهدئة الأمور، وإبطال أصوات الاحتجاج الباطلة ضد الخليفة، وبذلوا في ذلك جهدا مضنيا، وتحملوا مع خليفتهم فوق طاقتهم.
وكانت الرياح التي يثيرها المتمردون من كل جانب تتحدى زورق الصحابة المستبسل، وتعصف بمحاولاتهم النبيلة .. بَيْد أنهم لم ييأسوا، وظلوا يغالبون العاصفة، ويُهدِّئون بحوارهم المقْنِع عالِيَ صوتِها، ولكن الفتنة كانت قد جاوزت كل الحدود، واستحكمت من قلوبٍ مريضةٍ وعقولٍ معطَّلةٍ، فلم يعد للحكمة ولا للإقناع مكان.
لقد شدد المتمردون حصارهم القاسي حول دار الخليفة؛ فمنعوا عنه زوارَه ومنعوا عنه الماء الذي تتفجر به"بئر رَومة"التي اشتراها ـ رضي الله عنه ـ من خالص ماله في أوائل أيام الهجرة إلى المدينة، وجعلها هدية منه للمسلمين!!
في ظل هذه الغيوم الكثيفة، والخطر المُحْدق بالخليفة، لم يتخلَّ الصحابة عن تقديم العون لخليفتهم، وشاركوه المحنة، وعرضوا عليه حلولًا واقتراحاتٍ لتجنيب الأمة هذا الخطر المحدق بها، فتقدم المغيرة بن شعبة إلى عثمان بهذا الرأي: فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ الْعَامَّةِ، وَقَدْ نَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَإِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ خِصَالًا ثَلاثًا، اخْتَرْ إِحْدَاهُنَّ: إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ فَتُقَاتِلَهُمْ فَإِنَّ مَعَكَ عَدَدًا وَقُوَّةً وَأَنْتَ عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، وَإِمَّا أَنْ نَخْرِقَ لَكَ بَابًا سِوَى الْبَابِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، فَتَقْعُدَ عَلَى رَوَاحِلِكَ فَتَلْحَقَ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْتَحِلُّوكَ وَأَنْتَ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَلْحَقَ بِالشَّامِ فَإِنَّهُمْ