حتى بدأت تظهر بوادرها أولا: في تمرد الأمصار على الولاة، حتى نجحت ثورتهم في بعض الأمصار، وسيطروا عليها.
ولم يكن ذلك هدفهم، إنما شخص الخليفة، فأعدوا للخروج إلى المدينة، وزحفوا إليها زحفهم الأول، لكنَّ حِلْم الخليفة وورعه استوعبا الموقف.
وثارت الفتنة من جديد حين دس المتآمرون على الخليفة كتابا يأمر فيه بقتل بعض المتآمرين عليه، فزحفوا على عثمان في المدينة مرة أخرى، وضربوا عليه الحصار، وعرضوا عليه مطالبَهم، لكن الخليفة عثمان لم يرضخ لها، وصمد أمامهم على الرغم مما لقيه من إيذاء، وآثر العافية والمسالمة على الرغم من محاولات كثيرة من الصحابة للدفاع عنه والقتال دونه، وكان دائما ما يرفض ذلك. فشدد البغاةُ زعماءُ الفتنة الحصارَ، وضاقت الصدور المكبوتة تحت ضلوعهم، وخشوا أن تدور عليهم الدائرة، ولم يجدوا مخرجا مما هم فيه إلا تنفيذ جريمتهم النكراء المشئومة، فكان استشهاد عثمان ـ رضي الله عنه ـ فقتلت هذه النفس الزكية ظلما وعدوانا في الشهر الحرام والبلد الطاهر بعد ثماني عشرة ليلةً مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين من الهجرة.
كان لابد للتغيرات الاجتماعية العميقة التي طرأت على بنية المجتمع، وظلت تعمل في صمت وقوة لا يلحظها كثير من الناس ـ كان لابد لها أن تظهر وتعلن عن نفسها وعن آثارها السلبية في المجتمع، وكان لابد لأسباب الفتنة وبواعثها التي كانت تعمل تحت السطح أن تطفو وتقفز على السطح، وقد حان الوقت للمتآمرين أن يحصدوا ما زرعوه؛ فظهرت بوادره في تمردٍ بالكوفة، وتمردٍ بالبصرة، وتمردٍ بمصرَ.
ونشط المتآمرون، فأوسعوا الأرضَ إذاعةً لإشاعات مغرضة، حتى بلغ صداها المدينةَ عاصمةَ الخلافة، فأوفَدَ الخليفةُ عثمان وفدًا يتقصَّى الحقائق، يذهب إلى الأمصار ويحقق في الأمر، ويرفع إليه بيانا عن حقيقة الوضع بها. ورجع الوفد ورفع بيانه إلى أمير المؤمنين كاشفا له زيفَ هذه الإشاعات وكذبَها وسلامةَ موقفِ ولاتِه وبراءةَ ساحتِهم.
عن يزيد القعسيّ، قال: كان عبد الله بن سبأ يهوديًّا من أهل صنعاء، أمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقّل في بلدان المسلمين، يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشأم، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشأم، فأخرجوه حتى أتى مصر، فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أنّ عيسى يرجع، ويكذّب بأنّ محمدًا يرجع، وقد قال الله عزّ وجلّ:"إنّ الّذي فرض عيك القرآن لرادُّك إلى معاد".
فمحمد أحقّ بالرجوع من عيسى. قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرّجعة، فتكلموا فيها. ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبيّ، ولكلّ نبيّ وصيّ، وكان عليّ وصيَّ محمد؛ ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعليّ خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصيّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ووثب على وصيّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وتناول أمر الأمّة! ثم قال لهم بعد ذلك: إنّ عثمان أخذها بغير حقّ،