فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 366

الخلافة من الكوفة إلى دمشق. واستقر الأمر لمعاوية ـ رضي الله عنه ـ إلى أن مات سنة ستين من الهجرة. [1]

عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ اسْتَقْبَلَ وَاللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِنِّى لأَرَى كَتَائِبَ لاَ تُوَلِّى حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ - وَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ - أَىْ عَمْرُو إِنْ قَتَلَ هَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ مَنْ لِى بِأُمُورِ النَّاسِ مَنْ لِى بِنِسَائِهِمْ، مَنْ لِى بِضَيْعَتِهِمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِى عَبْدِ شَمْسٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، فَقَالَ اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ، وَقُولاَ لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ. فَأَتَيَاهُ، فَدَخَلاَ عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا، وَقَالاَ لَهُ، فَطَلَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِى دِمَائِهَا. قَالاَ فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ. قَالَ فَمَنْ لِى بِهَذَا قَالاَ نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلاَّ قَالاَ نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَصَالَحَهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ «إِنَّ ابْنِى هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» أخرجه البخاري [2]

ولعل الحسن ـ رضي الله عنه ـ ظل حياتَه كلَّها يتمنى تحقيق هذه البشارة، وظهر هذا من نصائحه المتكررة لوالده بترْكِ القتال.

وعندما بايع الناس الحسن على الخلافة اقتربت هذه البشارة من التحقق، وظهرت ملامح السلام في بيعته، وبوادر تحقيق بشرى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له.

وما هي إلا أيام قليلة حتى كان الصلحُ بينه وبين معاوية، وحقْنُ دماء المسلمين، ودخولُ الناس جميعا في الجماعة في ظل بَيْعةِ أميرٍ واحد.

(1) - البداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 9 / ص 54) فما بعد

(2) -برقم (2702)

وفي عون المعبود - (ج 10 / ص 180)

قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ:

(إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد) : أَيْ حَلِيم كَرِيم مُتَجَمِّل

(بَيْن فِئَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِي) : هُمَا طَائِفَة الْحَسَن وَطَائِفَة مُعَاوِيَة وَكَانَ الْحَسَن رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حَلِيمًا فَاضِلًا وَرِعًا دَعَاهُ وَرَعه إِلَى أَنَّ تَرْك الْمُلْك رَغْبَة فِيمَا عِنْد اللَّه تَعَالَى لَا لِقِلَّةٍ وَلَا لِعِلَّةٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بَايَعَهُ أَكْثَر مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَبَقِيَ خَلِيفَة بِالْعِرَاقِ وَمَا وَرَاءَهَا مِنْ خُرَاسَان سِتَّة أَشْهُر وَأَيَّامًا ثُمَّ سَارَ إِلَى مُعَاوِيَة فِي أَهْل الْحِجَاز وَسَارَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَة فِي أَهْل الشَّام، فَلَمَّا اِلْتَقَى الْجَمْعَانِ بِمَنْزِلٍ مِنْ أَرْض الْكُوفَة وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَة فِي الصُّلْح أَجَابَ عَلَى شُرُوط مِنْهَا أَنْ يَكُون لَهُ الْأَمْر بَعْده، وَأَنْ يَكُون لَهُ مِنْ الْمَال مَا يَكْفِيه فِي كُلّ عَام كَذَا فِي السِّرَاج الْمُنِير

(وَلَعَلَّ اللَّه أَنْ يُصْلِح بِهِ) : أَيْ بِسَبَبِ تَكَرُّمه وَعَزْله نَفْسه عَنْ الْأَمْر وَتَرْكه لِمُعَاوِيَةَ اِخْتِيَارًا

(بَيْن فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمَتَيْنِ) : فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ لَمْ يَخْرُج بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْفِتْنَة مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل عَنْ مِلَّة الْإِسْلَام لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُمْ كُلّهمْ مُسْلِمِينَ مَعَ كَوْن إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مُصِيبَة وَالْأُخْرَى مُخْطِئَة، وَهَكَذَا سَبِيل كُلّ مُتَأَوِّل فِيمَا يَتَعَاطَاهُ مِنْ رَاي وَمَذْهَب إِذَا كَانَ لَهُ فِيمَا تَنَاوَلَهُ شُبْهَة، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ. وَاخْتَارَ السَّلَف تَرْك الْكَلَام فِي الْفِتْنَة الْأُولَى وَقَالُوا تِلْكَ دِمَاء طَهَّرَ اللَّه عَنْهَا أَيْدِينَا فَلَا نُلَوِّث بِهِ أَلْسِنَتنَا كَذَا فِي الْمِرْقَاة نَقْلًا عَنْ شَرْح السُّنَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت