فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 366

ثم خرج الأشْتَرُ النَّخَعِيّ في اليوم السابع ـ وهو يوم الثلاثاء ـ وعاد إليه قِرنه حبيب بن مسلمة، فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا، ثم انصرفوا عند الظهر، ولم يَغْلِبْ أحدٌ أحدا في هذه الأيام كلها، فرأى الطرفان أنه لابدَّ من حملةٍ عامَّةٍ لحسم الموقف.

المواجهة الشاملة في صفين[1]

بدأ القتال في صفين منذ أول يوم من صفر، واستمر حتى اليوم السابع من الشهر، دون أن يغلب أحد أحدا، فرأى عليٌّ أن يقاتل بجميع الجيش ويحمل عليهم حملة عامة، فقام في الناس فخطب فيهم بذلك، فوثبوا إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها، ولما كان من الليل خرج عليٌّ فعبّأ الناسَ ليلتَه كلَّها، حتى إذا أصبح زحفَ بالناس، وخرج إليه معاوية في أهل الشام، وسأل عليٌّ عن القبائل من أهل الشام، فعرف مواقفَهم، فقال للأزْد: اكْفُونا الأزْدَ، وقال لخثعم: اكفونا خثعمًا، وأمر كل قبيلة أن تَكفيَه أختَها من الشام، إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد، فيَصرفها إلى قبيلة أخرى من الشام ليس بالعراق منهم أحد.

وتناهض الناسُ يومَ الأربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا نهارَهم كلَّه، ثم انْصرفوا عند المساء لا يغلب أحدٌ أحدًا، ولا يفر أحد من أحد، وأصبحوا من الغد، فصلَّى بهم عليٌّ الفجرَ، وباكَرَ القتالَ، ثم بدأ أهلُ الشام الخروجَ، فلما رأوه قد أقبل إليهم خرج إليه كبراؤهم، وعلى ميمنته عبد الله بن بديل، وعلى الميْسرة عبد الله بن عباس، والناس على راياتهم ومراكزهم، وعليٌّ في القلْبِ، ثم زحف إليهم بالناس، وأقبل معاوية وقد بايعه أهلُ الشام على الموت، فتواقفَ الناسُ في موطن مَهُولٍ وأمرٍ عظيم، وحمل عبد الله بن بديل أميرُ الميمنة على حبيب بن مسلمة أمير ميسرة الشام، فاضطره إلى التراجع حتى ألْجأه إلى القلب وفيه معاوية.

وأمر معاويةُ الشجعانَ أن يعاونوا ابن مسلمة على العودة، وبعث إليه يأمره بالحملة والكَرّة على ابن بديل، فحمل حبيب بمن معه من الشجعان على ميمنة أهل العراق، فأزالُوهم عن أماكنهم، وانكشفوا عن أميرهم، حتى لم يَبْقَ معه إلا زهاء ثلثمائة ..

وأمر عليٌّ سهل بن حنيف، فقدم فيمن كان معه من أهل المدينة، فاستقبلتهم جموعٌ لأهل الشام عظيمةٌ، فاحتملتْهم حتى ألجأتهم الهزيمة إلى عليٍّ، فانصرف يتمشى نحو الميسرة، فانْكشفت عنه مُضَرُ من الميسرة، وثبتت ربيعة معه، فأمر الأشْتَرَ أن يَلحق بالمنهزمين فيردَّهم، فسار فأسرع حتى استقبل المنهزمين من العراق، فجعل يؤنّبهم ويوبّخهم، ويحرض القبائل والشجعان منهم على الكَرَّة، فجعل طائفة تتابعه وآخرون يستمرون في هزيمتهم، فلم يزل ذلك دأبَه حتى اجتمع عليه خلقٌ عظيم من الناس، فجعل لا يَلقى قبيلة إلا كشفها، ولا طائفة إلا ردّها، حتى انتهى إلى أمير الميمنة، وهو عبد الله بن بديل، ومعه نحو ثلثمائة قد ثبتوا في مكانهم، فسألوا عن أمير المؤمنين، فقالوا: حيٌّ صالحٌ، فالتفوا حوله، فتقدم بهم حتى تراجع كثير من الناس، وذلك ما بين صلاة العصر إلى المغرب.

(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 77) فما بعد والبداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 378) فما بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت