بقتله، بل ظلت تأثيراتها وظلالها تنسحب على الحياة الإسلامية في الفترة التي تلت ذلك.
لقد كانت تلك الأسباب نفسها وراء تململ عمر بن الخطاب رضي الله عنه من رعيته وتململهم منه في أواخر حياته، وكانت وراء قتل عثمان رضي الله عنه، كما كانت وراء بعض تصرفات علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما استُخلف، ووراء فشلِ سياسته في العراق، ووراء امتناع معاوية رضي الله عنه عن بيعته، والصراع بينهما.
إن التغيير الهائل الذي أحدثه الإسلام في خريطة العالم المحيط به: في عقائده ونظمه ونفسيته لم يكن ليمرَّ دون أن يعكس آثاره بصورة أو بأخرى على الإسلام نفسه، ممثَّلا في دولته وفي مجتمعه، وممثلا بصفة خاصة في القادة والرواد الذين حملوا أكثر مِنْ سواهم أعباءَ هذا الانقلاب الضخم.
ولقد كان اغتيال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول ظواهر هذا الانعكاس الخطير، وكان نذيرا واضحا بأن ردود الفعل لتلك الفتوحات الواسعة التى طوَّرت من طبيعة الدولة الإسلامية، قد بدأت تنفّذ قانونها وسلطانها، خاصة مع عدم حدوث تغير في أسلوب الحكم يواكب هذا التطور.
وجاء الفتح بمشكلاته: من ثراء طارئ، ودنيا حافلة بالإغراء، واختلاط هائل بين أجناس وأمم وتقاليد طوّرت في المجتمع الإسلامي، وخلقت بمرور الوقت مناخا متوترا، خاصة من جانب هؤلاء الذين كان حظهم من تزكية الإسلام للنفس ضئيلا وما حصلوا عليه من التربية الإيمانية ناقصا، في جوّ نما فيه دور القبائل العربية، ورفعت العصبية القبلية رأسها، حتى بدت رواسبُ الجاهلية طافية فوق سطح المجتمع.
كلُّ هذا أسهم في إضافة نقاط سوداء إلى الثوب الإسلامي الأبيض، خاصة مع موت الكثير من الصحابة الكبار، وانتشار العديد منهم بعيدًا عن عاصمة الخلافة الراشدة.
وقد ساعد هذا الاختلال في صورة المجتمع المسلم لهذا العهد على تشجيع الدسائس وإنجاح المؤامرات، كهذه التي كان وراءها تلك الشخصية الغامضة عبد الله بن سبأ!!.
لقد عاش الإسلام أول عهده في مكة المكرمة مطارَدا، فكان لا يُقبل عليه حينئذ إلا من تعلقت نفوسهم بالحق ولم تبال أن ينالها الأذى من ذلك، ولم تطمع أن تنال مغنما دنيويا من وراء إيمانها بالله ورسوله .. وفي المدينة كافح المسلمون وسط غابة من الشرك وأهله، حتى لم يكن أحد يتبع هذا الدين المطارَد المحاصَر رغبة في غنيمة أو بحثا عن رياسة ..
أَمَا وقد انتصر المسلمون، ففتحوا مكة، وأرغموا أنف اليهود، وأخضعوا القبائل العربية النافرة بالجزيرة فقد أصبح في الانضمام إليهم مغنم .. بل صار هذا المغنم شيئا رائعا وضخما حين سَحَقَ الصحابةُ ومن ثبت معهم جموع المرتدين، ثم امتد