فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 366

بهم الأمر ليواجهوا الفرس والروم ويغنموا منهم ما لا يُحصى من الغنائم، وفق ما أمرهم الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم.

إن هناك فرقا عميقا بين نفس دخلت في دين الله ـ تعالى ـ لأنه الحق الذي يرضاه الله، وترى فيه ذاتها سابحة في عالم من النقاء، ومسبِّحة مع مَنْ يسبح من الخلق، فلا تستطيع أن تعيش إلا بالحق وله، هناك فرق بين هذه النفس وبين نفس دخلت الدين في زحام الداخلين، وأخرى جذبتها الأضواء الباهرة والربح الدنيوي الذي صار المسلمون يجنونه في جولاتهم وملاحمهم الجهادية.

إن النفس التي دخلت الدين من أجل النفع تميل مع النفع حيث مال، وتسير معه حيث سار، والتي دخلت في زحام الداخلين لا تتقن اختيار ما ينفعها عند ربها، فتنجرف مع كل تيار، وتميل مع كل فتنة.

وقد تدفقت خيرات الدنيا على المسلمين مع موجات الفتوح القوية، فاتسع الثراء اتساعا هائلا، وصارت الثروة كأنها تهاجر من وطن إلى وطن، وتسافر من يد إلى يد. والثراء الضخم المفاجئ لا تنجو من أثره السالب إلا نفوس أفراد قلائل، هم خاصة المؤمنين المتميزة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «يَا أَبَا ذَرٍّ» . قُلْتُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «الأَكْثَرُونَ هُمُ الأَقَلُّونَ إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا» أخرجه البخاري، وكانوا - على أية حال - قلة في المجتمع، وبقيت الكثرة الكاثرة عرضة للتغير والتعلق بالدنيا، بل التصارع عليها والدليل على ذلك ما روي عن عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِى عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَاتِى بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمِ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِىِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِى عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلاَةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ رَآهُمْ ثُمَّ قَالَ «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَىْءٍ» . قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّى أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» أخرجه البخاري.

ومع حرص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الفصل بين الجيوش المسلمة الفاتحة وبين أهل البلاد المفتوحة، فقد ازداد اختلاط المسلمين بالأعاجم مع مرور الوقت، ولكلِّ فريق عاداتُه وأعرافه، وكان لابد من تبادل التأثير والتأثر، فالبدوي الذي قضى حياته بين الخيام والأغنام غير الرومي والفارسي اللذَيْن عاشا في المدن العامرة ووسط الأرض الخضراء والحدائق الغنّاء، والعربي الذي عوّدته الحياة الصبر والحسم غيرُ الأعجمي الذي علّمته حياته العبث واللين.

لقد كان الزمن كفيلا بأن يخلط الأمم بعضها ببعض خلطا عجيبا، في هذه المنطقة من العالم التي شغلتها دولة الإسلام أيام الخلفاء الراشدين، وكان لهذا أثره الكبير في إحداث تفاعلات اجتماعية في الأعماق والأغوار البعيدة للمجتمع، كانت الثورة على سلطة المدينة أيام عثمان رضي الله عنه إحدى تجلياتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت