فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 366

فجعل حذيفة يقول: والله ليرجعن ولا يكون فيها محجمة من دم، وما أعلم اليوم شيئًا إلا وقد علمته ومحمد صلى الله عليه وسلم حي.

والمقصود: أن سعيد بن العاص كرَّ راجعًا إلى المدينة وكسر الفتنة، فأعجب ذلك أهل الكوفة، وكتبوا إلى عثمان أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري بذلك فأجابهم عثمان إلى ما سألوا إزاحة لعذرهم، وإزالة لشبههم، وقطعًا لعللهم. (ج/ص: 7/ 188) [1]

وفي مصر انتهز الثائرون فرصةَ غيابِ واليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح فخلعوه، واستولى محمد بن أبي حذيفة على مصر، فأرسل إليه عثمانُ سعدَ بن أبي وقاص لاستصلاحه، فخرج إليه في جماعة ولقُوه في الطريق فقلبوا عليه فسطاطَه وشَجُّوه وسَبُّوه، فركب راحلتَه ودعا عليهم، وعاد من حيث جاء.

ظل عبد الله بن عامر واليا على البصرة كخير أمير في ولايته، يرفق بهم، ويسهر على راحتهم، ويذلل لهم الصعاب، إلى أن شكا المسلمون وأهل الذمة على السواء من حُكَيْم بن جبلة [2] وكان لصًا خطيرًا أفسد في الأرض حتى وصلت شكواهم إلى

(1) - البداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 230) فما بعد

(2) - وفي العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - (ج 1 / ص 106)

حُكيم بن جبلة العبدي من قبائل عبد القيس، أصلهم من عُمان وسواحل الخليج الفارسي، وتوطن بالبصرة بعد تمصيرها. وكان حكيم هذا شابا جريئا، وكانت الجيوش الإسلامية التي تزحف نحو الشرق لنشر الدعوة والفتوح تصدر عن البصرة والكوفة، فكان حكيم بن جبلة يرافق هذه الجيوش، ويجازف في بعض حملات الخطر، كما تفعل كتائب (الكوماندوس) في هذا العصر. وقد استعملته جيوش أمير المؤمنين عثمان في إحدى هذه المهمات عند محاولتها استكشاف الهند كما نوهتُ بذلك في مقالة (طلائع الإسلام في الهند) . ويؤكد شيوخ سيف بن عمر التميمي (وهو أعرف المؤرخين بتاريخ العراق) على ما نقله عنه الطبري (5: 90) أن حكيم بن جبلة كان إذا قفلت الجيوش خنس عنهم فسعى في أرض فارس فيغير على أهل الذمة ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر أن احبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشدا، فحبسه (أي منعه من مبارحة البصرة) . فلما قدم عبد الله بن سبأ البصرة نزل على حكيم بن جبلة، واجتمع إليه نفر، فنفث فيهم سمومه. فأخرج ابن عامر عبد الله بن سبأ من البصرة، فأتى الكوفة فأخرج منها، ومن هناك رحل ابن سبأ إلى الفسطاط ولبث فيه وجعل يكاتبهم ويكاتبونه ويختلف الرجال بينهم. وذكر الطبري (5: 104) أن السبئية لما قرروا الزحف من الأمصار على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم كان عدد من خرج منهم من البصرة كعدد من خرج من مصر، وهم مقسمون كذلك إلى أربع فرق، والأمير على إحدى هذه الفرق حكيم بن جبلة، ونزلوا في المدينة في مكان يسمى ذا خشب. ولما حصبوا أمير المؤمنين عثمان وهو يخطب على المنبر النبوي كان حكيم بن جبلة واحدا منهم (الطبري 5: 106) ولما رحل الثوار عن المدينة في المرة الأولى بعد مناقشتهم لعثمان وسماعهم دفاعه واقتناعهم، تخلف في المدينة الأشتر وحكيم بن جبلة (الطبري 5: 120) وفي ذلك شبهة قوية بأن لهم دخلا في افتعال الكتاب المزور على أمير المؤمنين. ولما جاءت عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة وأوشكوا أن يتفاهموا مع أمير المؤمنين عليّ على رد الأمور إلى نصابها كان حكيم بن جبلة هو الذي أنشب القتال لئلا يتم التفاهم والاتفاق (الطبري 5: 176 وما بعدها) . وارتكب دناءة قتل امرأة من قومه سمعته يشتم أم المؤمنين عائشة فقالت له: يا ابن الخبيثة أنت أولى بذلك. فطعنها فقتلها (الطبري 5: 176) ، وحينئذ تخلى قومه عن نصرته إلا الأغمار منهم، وما زال يقاتل حتى قطعت رجله، ثم قتل وقتل معه كل من كان في الوقعة من البغاة على عثمان، ونادى منادي الزبير وطلحة بالبصرة: «ألا من كان فيكم من قبائلكم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم» فجيء بهم كما يجاء بالكلاب فقتلوا. فما أفلت منهم إلا حرقوص بن زهير السعدي من بني تميم (الطبري 5: 180) . روى عامر بن حفص عن أشياخه قال: ضرب عنق حكيم رجل من الحدَّان يقال له ضخيم فمال رأسه فتعلق بجلده فصار وجهه في قفاه، الطبري (5: 182) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت