حكم الله، فإنكم أهل الحق، فقال أحدهم: نخرج إلى المدائن فننزلها، فنتملكها، ونُخرج منها سكانَها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيَقْدمون علينا.
فقال آخر: إنكم إنْ خرجْتم مجتمعين اتُّبِعتم ومُنعتم، ولكن اخرجُوا وحدانًا مستَخْفِين لئلا يفطَن بكم، فأما المدائن فإن بها مَنْ يمنعكم، ولكن سيروا حتى تنزلوا جسرَ النَّهْروان، وتُكاتِبُوا إخوانَكم من أهل البصرة، قالوا: هذا الرأيُ.
وكتب عبد الله بن وهب كتابا عاما إلى مَنْ هو على مذهبهم ومَسلكهم من أهل البصرة وغيرِها، وبعثُوا به إليهم ليوافُوهم، ويكونوا يدًا واحدة على الناس.
فلما عزموا على المسير تَعَبَّدُوا ليلتَهم ـ وكانت ليلة الجمعة ـ وساروا يوم السبت، ثم خرجُوا يتسلَّلون فرادى لئلا يعلم أحد بهم فيمنعهم.
وقد تَدَارَكَ جماعة من الناس بعضَ أولادهم وإخوانهم، فرَدُّوهم وأنَّبُوهم ووبَّخُوهم، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع، واجتمع إليهم مَنْ كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنَّهْروان وصارت لهم شوكة ومنعة، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة ونجدة، وعندهم أنهم متقربون بذلك إلى الله العلي العظيم، مع أنهم ارتكبوا الكثير من الباطل والفساد!
ظن الخوارج أنهم هم الأوصياء على الحق، وأنهم أهله دون الناس، وأعطوا أنفسهم أكثر مما تستحق .. ومع اجتهادهم في العبادة وقراءة القرآن، إلا أنهم لم يكن لهم فقه وعلم يضبط أعمالهم، فعاثُوا في الأرض فسادًا، وسَفَكُوا الدماءَ الحرام، وقطعوا السُّبُلَ، واستحلُّوا المحارمَ، وكان من جملة مَنْ قَتلوه عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذبحوه ذبْحَ النِّعاج، وقتلوا زوجته معه، فعَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانَ مَعَ الْخَوَارِجِ ثُمَّ فَارَقَهُمْ قَالَ دَخَلُوا قَرْيَةً فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ ذَعِرًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ فَقَالُوا لَمْ تُرَعْ. قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ رُعْتُمُونِى. قَالُوا أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَهَل سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ حَدِيثًا يُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تُحَدِّثُنَاهُ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ ذَكَرَ فِتْنَةً الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِى وَالْمَاشِى فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِى. قَالَ «فَإِنْ أَدْرَكْتَ ذَاكَ فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ» . قَالَ أَيُّوبُ وَلاَ أَعْلَمُهُ إِلاَّ قَالَ «وَلاَ تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ» . قَالُوا آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ أَبِيكَ يُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَقَدَّمُوهُ عَلَى ضَفَّةِ النَّهَرِ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ فَسَالَ دَمُهُ كَأَنَّهُ شِرَاكُ نَعْلٍ مَا ابْذَقَرَّ وَبَقَرُوا أُمَّ وَلَدِهِ عَمَّا فِى بَطْنِهَا. أخرجه أحمد وفيه مبهم
وفي رواية الطبراني، عَنْ حُمَيْدِ بن هِلالٍ، حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانَ يُجَالِسُنَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، قَالَ: صَحِبْتُ أَصْحَابَ النَّهَرِ، فَكُنْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ كَرِهْتُ أَمْرَهُمْ خَشِيتُ أَنْ يَقْتُلُونِي، فَبَيْنَا أَنَا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ إِذْ أَتَيْنَا عَلَى قَرْيَةٍ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَرْيَةِ نَهَرٌ إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْقَرْيَةِ مُرَوَّعًا، فَقَالُوا لَهُ: كَأَنَّا رَوَّعْنَاكَ؟ قَالَ: أَجَلْ،
(1) - الطبقات الكبرى لابن سعد - (ج 3 / ص 32) و 5/ 245 وتاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 117 فما بعد)
والبداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 420) وتاريخ الإسلام للذهبي - (ج 1 / ص 476)