فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 366

رمق منهم فوجدناهم أربعمائة رجل، فأمر بهم علي فدفعوا إلى عشائرهم، وقال: احملوهم معكم فداووهم، فإذا برئوا فوافوا بهم الكوفة، وخذوا ما في عسكرهم من شيء.

قال: وأما السلاح والدواب وما شهدوا به عليه الحرب فقسمه بين المسلمين، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه حين قدم رده على أهله.

وكانت هذه الوقعة في التاسع من صفر سنة ثمان وثلاثين من الهجرة.

ولم يكن هذا آخرَ قتالٍ بين أمير المؤمنين عليٍّ وبين الخوارج، فقد نَدِمَ الذين تخلَّفُوا عن إخوانهم من الخوارج في النهروان، وجدّدوا الحرب ضد الخليفة، فقاتلهم قتالا مريرا، وكان لذلك أثر كبير في عصيان أهل الكوفة لأمير المؤمنين علي.

قتال الخوارج الذين لم يشهدوا النهروان [1]

بعد موقعة النَّهْروان ندم من الخوارج مَنْ كانوا فارقوا أصحابَهم، ومَنْ لجأوا إلى راية أبي أيوب أثناء المعركة، ومن كان أقام بالكوفة منهم غيرَ مُنْحَازٍ، فتجمعوا آسِفِينَ على خذلانهم أصحابَهم، فقام فيهم أحد كبرائهم وخَطَبهم حاثّا لهم على قتال عليٍّ، فخرجوا إلى النُّخَيْلة، فأرسل إليهم عليّ عبدَ الله بن عباس ناصحا، فأبَوْا، فسار إليهم أمير المؤمنين، وطحنتهم جميعا الحربُ بالنُّخَيْلة، ولم يَنْجُ منهم إلا خمسة فقط.

عصيان أهل الكوفة لعلي رضي الله عنه[2]

لما انتهى أمير المؤمنين من أمر الخوارج في النهروان أمر أصحابه بالمسير إلى الشام لقتال معاوية ومن معه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نَفِدَتْ نِبالُنا وكَلّتْ سيوفُنا .. فانصرفْ بنا إلى مِصْرِنا (أي بلدنا) حتى نستعد بأحسن عُدّتنا، ولعل أمير المؤمنين يَزيد في عُدتنا عُدة مَنْ فارقنا وهلك منّا، فإنه أقوى لنا على عدوّنا.

فأقبل عليّ بالناس حتى نزلوا بالنُّخَيْلة فعسكر بها، وأمر الناس أن يلزموا مُعسكرَهم ويوطِّنوا أنفسهم على جهاد عدوهم، وأن يُقِلُّوا زيارة نسائهم وأبنائهم.

فأقاموا معه أياما متمسكين برأيه وقوله، ثم تسللوا حتى لم يَبْقَ منهم أحد إلا رءوس أصحابه، وأمسى المعسكر خاليا، فلما رأى ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيه في المسير إلى عدوهم، ووبَّخهم وأنَّبَهم وتَوَعَّدهم، وتلا عليهم آياتٍ في الجهاد من سُوَرٍ متفرقة، وحضّهم على المسير إلى عدوهم، فأبَوْا ذلك وخالفوه ولم يوافقوه، واستمروا في بلادهم، وتفرقوا عنه هنا وهناك.

لقد ضعُفت عزائمُهم، فملُّوا من القتال، وإذا كانت هذه حال الجيش فلا عجب مما آل إليه حال أمير المؤمنين عليّ نفسِه، فإن سلطانه صار إلى نقصان يوما بعد يوم، وهو كل ساعة يحرّضهم بما آتاه الله من فصاحة اللسان وبلاغة القول، فما ازدادوا إلا فتورا، وقليل منهم الذي أخلص القول والعمل.

وكثرت عليه الخوارج بحجّتِهم التي تَأوّلوها، وهي أنه حكَّم الرجال في دين الله ولا حُكْمَ إلا لله.

(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 121)

(2) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 121)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت