فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 366

وكان مروان فيه العديد من الفضائل والمواهب القيادية، ولم تكن تولية عثمانَ له مجاملة على حساب المسلمين .. لقد كان مروان نائبا بالمدينة، فإذا وقعت معضلة جَمَعَ مَنْ عنده من الصحابة فاستشارهم فيها، وعَمِلَ بما أجمعوا عليه.

ومروان هو الذي جمع الصِّيعانَ (مفردها صاع، وهو كيل معروف) ، فأخذ بأعدلها فنُسب إليه الصاع، فقيل: صاع مروان، وهى ليست بصاع مروان، إنما هى صاع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم.

إن من لوازم الرئاسة، ومن شروط الشرف والمنزلة بين الناس أن يَرْخُصَ المال عند الإنسان، فيمنَحه بسخاء يدٍ، ويعطيَه بكرم نفسٍ. فإذا زُيِّن ذلك بالتقوى والإيمان صار للكرم وللسخاء معنى عند الله تعالى وعند الناس.

وقد كان الإمام التقي العادل عثمان بن عفان رضي الله عنه من هؤلاء السادة الكرماء، الذين رخُص المال عندهم، فبذله في سبيل الله، ووصل به أهلَه وإخوانَه ..

إلا أن ذلك لم يعجب الطائفة المعترضة على الخليفة، الثائرةَ عليه تستعجل وفاته، فاتهموا عثمانَ بسوء التصرف في مال المسلمين، والإنفاقِ من بيت المال على ذويه وأقاربه.

لقد كان عثمان رضي الله عنه ليِّنا مع أهله، رفيقا بأقاربه، كما كان ليِّنا مع الناس جميعا، بل إن ذوي رحِمِهِ وأقاربَه أولى برِفْقِهِ ولينه. وما أكثر ما كان عثمان ينفق لتجهيز الجيوش، والإعداد للغزو في وقت لم تكن للإسلام فيه شوكة، فلما قامت للإسلام دولة، وكانت الفتوحات، وجاءت الغنائم والفيء، أصبحت الدولة في أوج قوتها وثرائها، وكان أن أنفق عثمان على أقربائه، وأعطاهم من ماله هو يتقرب إليهم ويصلهم.

وكان مما فعله معهم أنه قسم ماله وأرضه في بني أمية، وجعل ولده كبعض من يعطيه منهم، فبدأ ببني أبي العاص، فأعطى آلَ الحكمِ رجالَهم عشرةَ آلافٍ عشرةَ آلافٍ، فأخذوا مائةَ ألفٍ، وأعطى بني عثمان مثلَ ذلك، وقسَّم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب.

وزعم المعترضون أن الخليفة يمنحهم من مال المسلمين، وصاروا يعترضون على تصرفاته المالية، فإذا زوّج ابنه من ابنة الحارث بن الحكم، وزوّج ابنته من ابن مروان بن الحكم، وجهَّزهما من خالص ماله الذي كان واسعًا ووفيرا في الجاهلية والإسلام - قالوا: إنه جهزهما من بيت مال المسلمين!!

وإذا اقترض رجل بضعةَ آلافٍ من بيت المال ـ وكان من حق المسلمين أن يقترضوا من بيت مالهم ـ قالوا: إن الخليفة منحه إياها بغير حق!

وإذا توسع في المراعي التي كانت الدولة في عهد"عمر"تحميها لإبلِ الصدقةِ ولتنمية الثروة الحيوانية، قالوا: إنه حَمَى الحِمَى لكي يسمِّن إبلَه وماشيتَه .. !!

ولقد حدث أن وَلَّى الخليفة الحارثَ بنَ الحكم أمانةَ سوقِ المدينةِ، واستغل الحارث وظيفته، فراح يشترى النوى ويحتكره، ولم يكد الخليفة يعلم بهذا حتى استدعاه إليه وسفَّهه، ثم عزله من فوره، فهذه أيضا نسجوا منها اتهاماتٍ .. !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت