قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثُمَّ انْصَرَفَ * أخرجه أحمد بسند حسن
ـ كل هذا ولم يطلب عثمان النجدة من الأمصار، ولم يعمل باقتراحات الصحابة لاستنقاذه من أيدي الثائرين، بل طالب الناسَ بكفِّ أيديهم، ووطَّد نفسَه على الصبر والمحافظة على كرامة الدولة ومبادئ الحكم في الإسلام. ولم يُقَصِّرْ في بذل أيِّ جهدٍ لإقناع هؤلاء المتمردين بإلقاء سلاحهم، فكان لا يَمَلُّ من محاورتِهم لعلهم يتخلَّوْن عن غَيِّهم، ويعودوا إلى رشدهم، لكن الأحداث تصاعدت حتى وقعت الخطيئةُ الكبرى، ونشبت الأنياب الغادرة في جسد الخليفة الشهيد، وقتلوه مظلوما ـ رضي الله عنه.
حرص الثوار على التفريق بين الخليفة وبين أهل المدينة، لينفردوا به وينفّذوا ما يشاءون من مخططاتهم دون اعتراض، فلما ضربوا أمير المؤمنين عثمان بالحَصَى، وشُجَّ رأسُه وهو على المنبر، وسقط مغشيًا عليه، واحتُمِلَ إلى داره ـ تفاقم الأمر وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس، وألجأُوه إلى داره، وضيَّقوا عليه، وأحاطوا بداره محاصِرين له، ولزم كثيرٌ من الصحابة بيوتَهم، خاصة عندما منع البُغاةُ أميرَ المؤمنين من الصلاة، فصلى بالناس أميرُهم الغافقيُّ الذي دان له المنحرفون المصريون والكوفيون والبصريون بعد ثلاثين يوما من بَدْءِ الحصار ..
عندئذ تفرق أهل المدينة في مزارعهم، ولزموا بيوتهم، فكان لا يخرج أحد ولا يجلس إلا وعليه سيفُه يمتنع به من القوم، وكانت مدةُ الحصار أربعين يوما، وفيهن كان قَتْلُ البغاة لعثمان، ومَنْ تعرض لهم أَعْمَلُوا فيه السلاحَ، وكانوا قبل ذلك ثلاثين يوما يَكُفُّون أهلَ المدينة ويمنعونهم أن يجتمعوا.
وكانت طائفة من أبناء الصحابة قد سارت إلي أمير المؤمنين عن أمر آبائهم، منهم: الحسن والحسين ابنا الإمام علي، وعبد الله بن الزبير ـ وكان أميرَ الدارِ ـ وعبدُ الله بنُ عمر، وغيرهم، وصاروا يُحَاجُّون عنه ويناضلون دونَه، يمنعون أن يصل إليه أحد منهم. واعتزل الآخرون رجاء أن يجيب عثمانُ أولئك الثوارَ إلى واحدةٍ من مطالبهم، ولم يقعْ في خاطر أحد أنَّ قَتْلَ الخليفة كان في نية الخارجين.
لم يكن يَخفى على الخليفة عثمان أن الحوار مع المعترضين واحدٌ من أهم الأساليب التي تكشف الحقائق، وتزيل أسباب الخلاف، لذا كان لا يغلق باب الكلام بينه وبين مَنْ يَعترض عليه حتى يجلِّي له الحقائق؛ فاستدعى الأشْتَرَ النَّخَعيَّ ممثلا عن الثوار، فقال له: يا أَشْتَر، ماذا يريد الناس منِّي؟ قال: ثلاثا ليس من إحداهن بُدٌّ؛ قال: ما هي؟ قال: يخيّرونك بين أن تخلع لهم أمرَهم، فتقول: هذا أمرُكم فاختاروا له مَنْ شئتم، وبين أنْ تَفتديَ مِنْ نفسك مَنْ قد ضربتَه أو جلدتَه أو حبستَه، فإن أبَيْتَ هاتَيْن فإن القومَ قاتِلُوك.
(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 476) -483 و البداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 245)