ادعاؤهم أنه عزل نفرا من الصحابة عن الإمارة، فصار ولاة عثمان من أقربائه الذين لم تكن لهم - أو لبعضهم على الأقل - سابقة ترفعهم إلى مستوى الولاية على المسلمين!!!.
واتهامهم الأمويين باستغلالِ صلتهم وقرابتهم للخليفة، واستحواذِهم على ما ليس لهم بحق، مما جعلهم يعترضون على سياسة الخليفة المالية!!!.
وموقف عثمان رضي الله عنه من بعض فضلاء الصحابة، كنفي أبى ذر ومنع عطاء ابن مسعود ..
واجتهادات أمير المؤمنين عثمان الخاصة التي خالف فيها أبا بكر وعمر رضي الله عن الجميع.
إنما بلغت دولة الإسلام في خلافة أبى بكر وعمر رضي الله عنهما الذروة في العزة، وكانت مضرب الأمثال في الفلاح الإنساني وسعادة المجتمع؛ لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يكتشفان بنور الله ـ عز وجل ـ خبايا السجايا في أهلها، وعناصر الرجولة في الرجال، فيوليانهم القيادة، ويبوئانهم مقاعد السيادة، ويأتمنانهم على أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهما يعلمان أنهما مسئولان عن ذلك بين يدى الله ـ عز وجل. [1]
وقد سار على هذا النهج الخليفة عثمان ـ رضي الله عنه ـ فلم يولّ من أقاربه إلا من ولاه الخليفتان من قبله، أو ثبتت كفايته وتفوقه، فحققوا إنجازات ضخمة، ورفعوا راية الإسلام بما فتحوه من بلاد جديدة، وما قاموا به من نشر الأمن والعدل وتعاليم الإسلام في هذه البلاد المفتوحة، فعمَّ الرخاءُ في جميع بلاد الإسلام، ونَعِمَ الناسُ بالخيرات والثراء الذي لم يشهدوه من قبل.
ولما جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الخلافة ولَّى هو أيضا من يثق فيه من أقاربه، ممن يراهم أهلا لتسيير الأمور فيما ولاهم عليه من البلاد.
وقد كانت ولاية الكوفة وولاية البصرة وولاية مصر صاحبة النصيب البارز في الاعتراض على أمير المؤمنين، أما ولاية الشام فكانت سياسة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فيها من الحكمة بمكان، حتى لم يرتفع منها صوت يعترض على عثمان ـ رضي الله عنه.
وتعدى الاعتراض أمراء الولايات ليشمل آخرين ممن ولاهم عثمان مسئوليات أخرى في الدولة الإسلامية، كمروان بن الحكم [2] الذي ولاه عثمان رضي الله عنه الديوان.
(1) - أخرج البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِى أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِى بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهْىَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِى مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلاَءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَحْسِبُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «وَالرَّجُلُ فِى مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»
(2) - وفي العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - (ج 1 / ص 94)
12 -وأما قول القائلين في مروان والوليد فشديد عليهم، وحكمهم عليهما بالفسق فسقٌ منهم.
مروان رجل عدل، من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين. أما الصحابة فإن سهل بن سعد الساعدي روى عنه (1) . وأما التابعون فأصحابه في السن، وإن جازهم باسم الصحبة في أحد القولين (2) . وأما فقهاء الأمصار فكلهم على تعظيمه واعتبار خلافته، والتلفت إلى فتواه، والانقياد إلى روايته وأما السفهاء من المؤرخين والأدباء فيقولون على أقدارهم.
(1) وروايته عنه في صحيح البخاري وغيره.
(2) وفي طليعة من روى عنه من كبار التابعين زين العابدين بن علي بن الحسين السبط، نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (2: 123) ، والحافظ ابن حجر في الإصابة، وترى تفصيله في طبقات الشافعية الكبرى للتاج السبكي في ترجمة اللغوي الشهير أبي منصور محمد بن أحمد بن الأزهر صاحب تهذيب اللغة (282 - 370) . وممن نص الحافظ ابن حجر على روايتهم عن مروان: سعيد بن المسيب رأس علماء التابعين، وإخوانه من الفقهاء السبعة أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، وأضرابهم كعراك بن مالك الغفاري المدني فقيه أهل دهلك وكان يصوم الدهر، وكعبد الله بن شداد بن الهاد أحد الرواة عن عمر وعلي ومعاذ. وإن رواية عروة بن الزبير عن مروان في كتاب الوكالة من صحيح البخاري (ك 40 ب 7 - ج 3 ص 62) وفي مسند الإمام أحمد (الطبعة الأولى 4: 321 و 323 و 326 و 328 و 5: 189) . ورواية عراك عن مروان نقلها إمام أهل مصر الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب في مسند أحمد (4: 328) ورواية عبد الله بن شداد بن الهاد عن مروان في مسند أحمد (7: 317 و 323) . والذي يتأمل الأحاديث المروية عن مروان يجد جملتها من الأئمة الثقات تتسلسل روايتهم عنه مدة جيلين وأكثر وكلهم أعلى مرتبة في الإسلام من الذين يبردون الغل الذي في قلوبهم بالطعن في مروان ومن هو خير من مروان، بل في رواة أحاديث مروان عبد الرزاق إمام أهل اليمن وكانت فيه نزعة تشيع. وفي مسند أحمد (6: 212) حديث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه كان رسول مروان إلى أم المؤمنين أم سلمة في تحقيق بعض الأحكام الشرعية وفي 6: 299 من مسند أحمد نموذج لعظيم عناية مروان بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقصى ما يمكن أن يصدر عن أئمة المسلمين وأمرائهم.